التنمية البشرية وهم؟ المهارة لا تُشترى في كورس واحد
هذا المقال مكتوب من الفيديو أعلاه، «التنمية البشرية حقيقة أم وهم ؟ تجربتي الشخصية مع تطوير الذات و أهم خطوة ...»، ومدّته 10:35.
جاءني سؤال من شخص يبحث عن ترشيحات لمراكز تعطي Soft Skills للجونيورز — تدريبات في المهارات الذاتية. قلت له إنني لا أعرف مكاناً بعينه. فردّ بجملة هي سبب هذا المقال كله:
واضح أن طريقة الإلقاء عندك، أو الفيديوهات والكلام ده، موهبة — مش مكتسبة.
قد يكون فيها جزء موهبة، وجزء قبول من عند الله سبحانه وتعالى. لكن أساسها ليس هذا. أساسها خبرة مكتسبة. وحتى تعرف معنى “مكتسبة” على وجهها الحقيقي، خذ القصة من أولها.
من ٢٠٠٥ إلى اليوم: ماذا فعلت بالضبط
بدأت تقريباً سنة ٢٠٠٣ أو ٢٠٠٥، بحضور الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله. بعدها حضرت لناس آخرين. وحوالي سنة ٢٠١٠ أخذت الكورسات المتاحة في نطاق القاهرة كلها تقريباً — أي شيء أستطيع الوصول إليه.
بعد ذلك دخلت الأنشطة الطلابية في عين شمس. وكلمة “دخلت” هنا حرفية: كل نشاط استطعت أن أدخله دخلته، بأي صفة كانت — مشارك، Moderator، HR، أي Position، أي طريقة تمكّنني من الدخول. من ٢٠١٠ إلى ٢٠١٣ تقريباً لم أكن أنام. عندك كلية، وفي نفس الوقت أنشطة طلابية، وفي نفس الوقت شغل بره — تدريب في مراكز تدريب على السوفت سكيلز وعلى التسويق — وفوق هذا كله شغلك الأصلي في التسويق.
كانت فترة صعبة فعلاً، ومجهودها كبير. لكنها فرقت معي على المستوى الشخصي كثيراً جداً.
وحتى أنا نفسي أعطيت هذه التدريبات لاحقاً — خمس دفعات تقريباً — وكانت فكرتها أن أعطي السوفت سكيلز بطريقة التجربة. وحتى هذه حسّيت أنها ليست الأحسن. أنت حين تأخذ الكورس تأخذ جرعة حماس، وتتدرّب على أشياء معيّنة، لكنك في الحياة العملية لم تصل بعد. الظروف التي تُنضج المهارة لم تكتمل.
أنا انطوائي — والذي تراه شخصية أخرى
مَن يعرفني أو المقرّبون مني يعرفون أنني انطوائي ١٠٠٪. في التجمعات العائلية لن تجدني أتكلم كثيراً. لست رغّاياً، ولا أحكي، ولا أهزر، ولست خفيف الظل — أنا أبعد ما يكون عن ذلك، وأنا عارف هذا وفاهمه، فلا أُثقّل ولا أستخف بظلي. والنقطة الثانية أنني لا أعرف أن أفتح مواضيع؛ أنا لست اجتماعياً بالكامل.
لكن على مستوى البيزنس، تحسّه شيئاً آخر تماماً. مثل ممثل يطلع على المسرح — يعرف أن يشتغل بشكل معيّن، وشخصية مختلفة عن التي في البيت.
من أين جاء هذا؟ من التدريب. في ٢٠٠٥ كنت ولداً صغيراً، أربعة عشر أو خمسة عشر سنة، لا أملك الإمكانيات، وكنت عصبياً، وكنت سيئاً في أشياء كثيرة. وفي ٢٠١٠ كنت ما زلت أتعلم. وفي ٢٠١٥ أتعلم. وفي ٢٠٢٠ أتعلم. واليوم ما زلت أتعلم.
فالـ Soft Skills مهارة مكتسبة، وتراكمية — Accumulation. لن يعطيك أحد كورساً ويقول لك في آخره: خلاص، أنت الآن صارت عندك المهارة. لا يوجد شيء من هذا.
لا تقيس المسافة وأنت في وسطها
ليس معنى هذا أنك لا تبدأ اليوم لأن فلاناً بدأ سنة ٢٠٠٥. أنا لست أحسن أحد الآن، وفي ٢٠٣٠ سأكون أحسن مما أنا عليه اليوم. أنت مستمر، وحتى لو كنت في نصف الطريق وشاعراً أن عندك مشكلة كبيرة وعندك وعندك — كمّل. في البيزنس، في الحياة، في أي مهارة أياً كانت.
والمشكلة أنك وأنت داخل التجربة لا تحسّ بالتغيير. أنت لست كما كنت قبل سنة، لكنك خلال هذه السنة لم تشعر أنك تتغيّر. جرّب هذا الاختبار: ارجع إلى نسختك من خمس سنوات — ماذا كنت تعمل؟ افتح البوستات التي كتبتها على فيسبوك سنة ٢٠٠٩ أو ٢٠١٠ أو ٢٠١٥، واقرأ ماذا كنت تكتب ساعتها. كنت مؤمناً بالموضوع جداً وأنت لا تعرف شيئاً بعد. ستقول: إزاي كنت أعمل هذا الكلام؟
هذا هو الدليل الوحيد المتاح لك على أنك تتحرك.
منحنى الملل الذي يسبق النتيجة
حين تبدأ تشتغل على نفسك، اشتغل أولاً. ثم استعدّ للشكل الحقيقي للطريق:
- مجهود كبير جداً، طول الوقت — وفي النهاية لا نتيجة.
- مَلل. لأن المجهود كبير والعائد غير ظاهر.
- ثم مرحلة تعلو فيها قليلاً، فيرجع الملل.
- ثم تعلو قليلاً، ويرجع الملل.
- حتى تصل إلى مرحلة لا تعرف فيها أصلاً متى جاءت: نجاح كبير، شهرة، مال.
وهناك ممثل معروف قعد سنين طويلة جداً يشتغل على نفسه ويحاول ويمثّل، ولم يكن أحد يعرفه — إلى أن قارب الخمسين. وفي عشر سنوات بعدها صار معروفاً، بينما ممثلون آخرون بدأوا وهم صغار. أنت لا تعرف متى يأتي التويست الكبير في حياتك. قد يأتي من موقف، من تجربة، من نشاط طلابي دخلته، من شركة اشتغلت فيها، من علاقة دخلت فيها — فتجد نفسك وقد تغيّرت شخصيتك.
عشرة آلاف ساعة
في كتاب اسمه Outliers فكرة — والفكرة ليست لصاحب الكتاب أصلاً — اسمها قاعدة الـ ١٠٠٠٠ ساعة: لكي تصل إلى مرحلة متقدّمة في شيء، والعظمة لله وحده، تحتاج أن تجرّبه وتشتغل عليه عشرة آلاف ساعة.
تخيّل: أنا في اليوتيوب الآن عدّيت ساعات تصوير كثيرة جداً — ولسه كتير. وأنا أعرف أن هذه الفيديوهات ليست أحسن شيء: التصوير، الجودة، المونتاج، الصوت، كل حاجة. طيب هل أوقفت لأنها ليست مثالية؟ لا. ما زلت أجرّب.
وحتى التجارب التي لم تكمل ليست خسارة. أنا دخلت التدريب ولم أستمر فيه في حياتي بعد ذلك — هل يعني هذا أنني فشلت فيه؟ بالعكس، أفادني كثيراً جداً. التجربة التي تبدأها اليوم ولن تكملها في المستقبل تظل مضافة إليك.
فحين كانوا سنة ٢٠٠٥ يسخرون من ولد صغير قاعد في الصف الأول أمام إبراهيم الفقي — كان المفروض أن أرجع إلى البيت وأقول خلاص، أنا أصلاً لا أعرف أهزر مع الناس ولا أعرف أتكلم، أنا انطوائي؟ لا. فكرة أنك كمّلت هي النجاح نفسه، أياً كان.
ما هدفك الكبير؟
هذه آخر نقطة، وهي التي تحدد إن كنت ستكمّل أصلاً.
اسأل نفسك: ما هدفك؟ تريد مالاً؟ تريد شكراً؟ تريد إبداعاً؟ تريد الناس تقول “والله ده شاطر”؟ تريد أن توصّل معلومة مفيدة فعلاً؟ ما الهدف الذي سيجعلك تقوم من النوم؟
لأن الهدف الصغير يسقط بأول بديل. لو هدفك من اليوتيوب مال، وجاءك المال من مكان آخر — ستقف. لو هدفك شكر وتقدير، وجاءك برنامج تلفزيوني — ستقف. أما لو كان هدفك فعلاً أن توصّل معلومة وتنفع الناس، فستفضل مكمّلاً. أُغلق اليوتيوب؟ ستبحث عن شيء آخر وتذهب إليه. ما دامت عندك معلومة، ستدرس وستعمل الشيء الذي تعمله.
فحدّد الهدف الكبير: أريد أن أعرف ناساً، أريد أن أوصل لهم، أريد أن أفيدهم وأستفيد منهم وأتطوّر في شغلي. هذا الهدف هو الحافز الذي يحرّكك طول الوقت. لأن الجمرة هذه لو انطفأت قليلاً، ستقول: بلاها الحكاية دي كلها.
وأنت لست مركز الكون
النقطة الأخيرة، وأقولها لنفسي قبلك: أنت لست مهماً، وأنا لست مهماً.
ما دمت واضعاً نفسك في مركز الكون، وشاعراً أن الناس كلها تنظر إليك وترى ماذا تعمل وإلى أين رايح ومن أين جاي — لن تعمل أشياء كثيرة. ستكون واخد بالك كأن هناك كاميرات مسلّطة عليك. ولا توجد كاميرات.
فلو عملت شيئاً ولم يكن أحسن شيء — عادي، ليست مشكلة. الفيديو شاهده ٣٠٠ واحد — عادي. لا أحد مستنٍّ أحمد حسن الذي نزّل الفيديو.
أكبر مشكلة في الموضوع كله هي الخوف: خائف من الناس تقول عليك ماذا، خائف تذهب تكلم أحداً، خائف من شيء لا تعرفه. لا. أنت لست مركز الكون. روح واغلط — وهو أصلاً سينسى غداً أنك جئته.
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.





