لعنة "الثلاثة أيام"..
كنت أجلس هناك، بملامح الاستشاري الواثق -وهي كذبة أتقنها ببراعة- أشرح لفريق المبيعات عن النظام الجديد. الأمور كانت تسير بهدوء مريب، ذلك الهدوء الذي يسبق عاصفة استوائية، أو يسبق انفجار ماسورة مياه في وجهك.
فجأة.. وكما توقعت تماماً، قررت “سيدة المبيعات” -دعنا نسميها “مدام س”- أن تخرج عن النص. انتفضت في مقعدها كأنها رأت صرصارا، واحتقن وجهها وهي تصرخ في وجهي بنبرة تجمع بين اليأس والتهديد: “مستحيل! أنت أكيد بتهرج يا بشمهندس.. النظام ده كارثة! أنا عشان أعمل أوردر واحد بالطريقة دي، محتاجة (3 أيام) شغل متواصل! أنتوا جايين تسهلوا الشغل ولا تقطعوا عيشنا؟”
نظرتُ إليها بشفقة. أنا أعرف هذا “الرعب” جيداً. إنه رعب من يرى “مناطق نفوذه” تنهار. بدأت تسرد مأساتها، وكانت -للأمانة- مأساة حقيقية في عرفها: قالت إن عملاءها “مدللون”، يطلبون عروض أسعار (Quotations) مزركشة، تضع فيها صور التصاميم يدوياً، وتنسقها كأنها لوحات فنية. ثم ألقت بالقنبلة الثانية: “العملاء بيبعتولي شيت إكسيل فيه 100 صنف.. أنا بغير السعر وببعته. أنت عايزني أدخل الأصناف دي صنف صنف على السيستم؟ دي عقوبة مش شغل!”
في تلك اللحظة، كان بإمكاني أن أرى شبح “الفشل” يلوح لي من ركن الغرفة ويخرج لي لسانه. لكنني قررت أن ألعب دور الساحر الذي يخرج الأرنب من القبعة، رغم أنني كنت أشك في وجود القبعة أصلاً.
فتحت شاشتي بهدوء مستفز، وقلت لها: “طيب.. تعالي نجرب نعمل سيناريو واحد.. اعتبريها لعبة.”
بدأتُ العرض. أريتها كيف يمكن للسيستم اللعين أن يصمم الـ (Quotation) بلمسة زر، وكيف يسحب صور المنتجات تلقائياً لتظهر في العرض بشكل أشيك بمراحل من “القص واللصق” الذي تمارسه منذ سنوات. ثم نزلنا إلى حلبة “الأصناف”. شرحت لها مفهوم الـ (Product Variants)؛ تلك الـ 100 صنف التي ترعبها، هي في الحقيقة 10 أصناف فقط، والباقي مجرد مقاسات وألوان. قلت لها: “الموضوع في الأول هيكون دمه تقيل، هندخل البيانات مرة واحدة.. لكن بعدها، حياتك هتبقى عبارة عن (اختيار من متعدد).. كأنك بتحلي امتحان في ابتدائي.”
راقبت وجهها وهو يتحول تدريجياً. بدأت تدرك الحقيقة التي لا نكتبها في العقود: النظام الجديد لن يوفر وقتها فقط، بل سينهي حربها الباردة الأزلية مع “المحاسب”؛ الفواتير ستخرج مطابقة للمخزون، ولن تعود إليها ملطخة باللون الأحمر وملاحظات الرفض. والمخازن.. تلك الثقب الأسود، ستصبح مكشوفة أمامها.
تحولت “الانتفاضة” إلى فضول، والرفض القاطع إلى حماس حذر. انتهت الجلسة ونحن نعقد “هدنة” مؤقتة. خرجتُ من الغرفة وأنا أحدث نفسي:
“لقد نجونا اليوم يا حاج أحمد.. لقد نجونا. لكن تذكر، لا تأمن لغدر العميل، ولا لغضب موظف أيقظته من غيبوبة الإكسيل.”


كلام جميل وأداره الأزمات بحكمه قائد متمرس ولكن للأسف هذا هو حال المحاسبين الذين تفكيرهم انه بوجود نظام سوف يفقد وظيفته والاهم انه شخص غير مؤهل وغير قادر التطوير وعنده كميه خوف من الفشل وليست لديه القدرة على التعامل مع البرامج
ولكن محتاج شخص يستطيع من خلاله التعلم ويكون سند له فى التعامل مع البرامج حيث ان عقله رافض التغير بجهل منه وغطرسه الوظيفه والاستمرار فى العمل بالبيروقراطية
شكرا لتعليق حضرتك و ادام الله عليك لباس العافية و الصحة و البركة