أربعة أنواع من القصص تحتاجها شركتك — وثالثها يغفله الجميع
هذا المقال مكتوب من الفيديو أعلاه، «هل انت ممل وانت بتتكلم عن شركتك؟ اعرف ازاي تبني قصة تدخل قلوب الناس وتحب شركتك»، ومدّته 12:38.
دائماً ستجد في رأسك مواقف أو أفكاراً تريد أن تخرجها ولا تعرف كيف. عندك شركة أو Startup، وحين يسألك أحد: ما فكرة هذه الشركة؟ تجد نفسك تحكي كلمة من الشرق وكلمة من الغرب، ولا تقدر أن تجمع الكلام بالكامل. ولو جمعته، تحس أن الموضوع ليس حماسياً بما يكفي، وأنه لن يشدّ أحداً معك.
ثم يُطلب منك أن تطلع في Event، أو تتكلم في مؤتمر، أو تقول كلمة في ثماني دقائق. فتقول ماذا؟
هذا ما نتكلم فيه: كيف تبني القصة من البداية إلى النهاية، تشدّ الناس بها، وتخليهم من أول لحظة إلى آخر لحظة منتبهين معك، ويخرجون بالفكرة التي أردت أن توصلها لهم.
ولن أبدأ بتعريف. سأبدأ بموقف حصل لي، لأن الموقف نفسه هو الدليل على أن الكلام يشتغل.
القصة التي غيّرت طريقة تعاملي مع الناس
في ٢٠١١ اشتركت في نشاط طلابي في هندسة عين شمس، يقدّم برنامجاً تدريبياً عن البزنس والإدارة. كنا أنا واثنين محاضرين آخرين وفريق عمل يشتغل معنا. نقعد نشتغل ستة شهور تقريباً — ترم أو ترم ونصف — ثم في نهاية الترم الثاني أو في الإجازة نبدأ نعطي البرنامج التدريبي للمشتركين فيه.
في البداية خالص، الفريق يشتغل مع بعضه ويبدأ يحضّر. وأول تاسك طُلب منّا من المدير الذي يمسك الموضوع بالكامل: كل واحد يأخذ كتاباً، ويلخّصه، ويأتي يعمل عنه بريزنتيشن في المرة التي بعدها.
كان نصيبي كتاباً اسمه The Tipping Point لمالكوم جلادويل. والكتاب هذا صعب جداً.
ونسيت التاسك بالكامل.
وجاء يوم العرض، والمفروض أنني سأطلع أتكلم عشر دقائق أمام الناس. والناس هؤلاء أول مرة أتعامل معهم، والمفروض أن هذا هو فريقي الذي سنقعد ستة شهور نشتغل مع بعض. فأنا أيضاً لا أريد أن يكون شكلي وحشاً أمامهم وأنا لم أعمل أي شيء في الكتاب خالص.
كان أمامي حلّان: يا إما أعتذر، يا إما الوش. فقررت الوش.
ماذا فعلت في الوقت الضائع
مسكت الكتاب وبدأت أقرأ فيه. ومالكوم جلادويل مَن يعرف كتاباته يعرف أنها معقّدة قليلاً، والأفكار فيها مركّبة وليست سهلة.
فبدأت آخذ الأفكار الأساسية من الكتاب: من العناوين الموجودة، أقرأ سطراً هنا وسطرين هناك. المهم أنني جمعت الفكرة الأساسية. والكتاب كان يتكلم عن فكرة التحوّل — المواقف التي تحصل فتعمل تحوّلاً للأشخاص وللشركات.
فسبت الكتاب كله على جنب.
ولما طلعت للبريزنتيشن، بدأت أتكلم عن التحوّل الذي حصل في حياتي أنا. كان والدي قد توفي — الله يرحمه — في ٢٠٠٩، أي قبلها بسنتين. فبدأت أتكلم عن هذا الحدث الذي عمل تحوّلاً مقداره ١٨٠ درجة في حياتي: ما قبل وفاة والدي وما بعدها. وبدأت أتكلم فعلاً بقصة حقيقية، بمواقف حقيقية، بأشياء تغيّرت في حياتي الشخصية وأثّرت على حياتي العملية، وخلّتني واقفاً أمام الناس اليوم أتكلم.
تقريباً لم أتكلم عن محتوى الكتاب. قدر ما تكلمت عن الفكرة الرئيسية التي فيه، وعكستها على حياتي الشخصية، وكيف يستفيد منها الناس.
النتيجة التي ما زالت مستمرة إلى اليوم
المحاضرة هذه — أو العرض هذا — إلى اليوم أنا ما زلت أذكره. والناس الذين كانوا حاضرين في المكان، إلى اليوم يقولون لي إنها كانت بداية التعرّف.
ومنهم من أعزّ أصدقائي، مؤمن توفيق، إلى اليوم يتكلم أن هذا العرض هو من الأشياء التي خلّته يحب أن يتعرّف عليّ أكثر، ويحب أن يتعامل معي أكثر، ويريد أن يعرف هذا الشخص أكثر: ما الذي وراءه.
قف عند هذا قليلاً. أنا لم ألخّص كتاباً، ولم أعرض معلومة أحفظها أحسن من غيري. الشيء الوحيد الذي فعلته أنني أخذت فكرة الكتاب ووضعت نفسي داخلها. والذي بقي في ذاكرة الناس أكثر من عشر سنوات ليس الفكرة، بل أنني كنت أنا داخلها.
وما فعلته في ذلك العرض — بلا أن أسمّيه وقتها — كان له اسم: وضعت للقصة نمطاً، هو نمط ما قبل وما بعد. ووضعت فيها عناصر القصة الأساسية بترتيب معيّن حتى تصل. وهذا هو الملخّص الذي سنفصّله: أنواع القصة، ثم عناصر كل نوع، ثم الأنماط التي تختار منها، ثم كيف تُخرج القصة للنور وتعرضها بطريقة تصل فعلاً للناس.
النوع الأول: قصة عنك أنت
القصة قد تكون عن شخصك أنت. مثل مارك زوكربيرج في فيسبوك، وإيلون ماسك في تسلا، وستيف جوبز في أبل.
هؤلاء كلهم بدأوا ينشرون أفكار شركاتهم من خلال الكلام عن أنفسهم: من خلال رحلتهم، ومن خلال التحديات التي قابلوها، ومن خلال الأفكار التي كانت في رؤوسهم. الشركة وتوجّهاتها وكل شيء فيها انتشر عبر قصص شخصية عنهم هم.
والذي يحصل هنا أن الناس ترتبط بشخص، لا بمنتج. والشخص يتكلم في أي مكان، ويردّ على أي سؤال، ويظهر في أي مقابلة — وفي كل مرة تمشي الشركة معه. وهذا هو أرخص انتشار ممكن، وأخطره في نفس الوقت، لأنه مربوط بواحد.
النوع الثاني: قصة عن الشركة نفسها
كم واحداً يعرف مؤسس Airbnb؟ أقل بكثير جداً من الناس الذين يعرفون ستيف جوبز أو مارك زوكربيرج.
طيب، كم واحداً يعرف Airbnb والفكرة التي وراءها؟ تقريباً كل من تعامل معها أو سمع عنها يعرف قصتها: أنها لا تملك عقاراً ولا فندقاً ولا أي وحدة إيجارية، وإنما تستخدم الوحدات السكنية الموجودة عند الناس. وهذا من خلال قصة مشهورة عن شباب هم المؤسسون في سان فرانسيسكو، كان عندهم مشكلة أن الإيجار عالٍ، فبدأوا يعملون هذه الفكرة ليحلّوا مشكلتهم هم. ثم بدأت تنتشر لأنها تحل مشاكل ناس آخرين، إلى أن صارت شركة ملياريّة.
القصة هنا متمحورة حول Airbnb نفسها. لا تتكلم نهائياً عن المؤسس ولا عن الشخص الذي أسّسها.
ولاحظ المقارنة: اسم المؤسس تقريباً غير معروف، والقصة معروفة عند الجميع. وهذا يقول لك إن الشركة تقدر تنتشر بلا وجه، لو كانت المشكلة التي حلّتها واضحة وحقيقية — بدأت مشكلة عند أصحابها هم، ثم اتضح أنها مشكلة عند ناس آخرين.
النوع الثالث: قصة عن فكرة
خذ فيلم “أرض النفاق”. هو يتكلم عن ماذا لو: لو الناس كلها لا تكذب، لو الناس كلها لا تنافق — ماذا سيحصل في المجتمع؟ هو يعرض قصة ليعزّز فكرة ويتكلم عنها.
طيب، كيف تستغل هذا في شركتك؟
أكيد شركتك عندها فكرة معيّنة تريد أن توصلها. مثلاً فكرة أنها تعزّز الناس الموجودين عندها بمعاملة مختلفة ومميّزة. مثل ما فعلت جوجل مع موظفيها: بدأت تظهر فيديوهات عن منطقة النوم (Sleeping Area)، وأن الموظف يقدر ينام في المكان، ويقدر يلعب بلياردو، ويقدر يلعب Games. وجوجل تقريباً من أوائل الشركات التي عملت هذا الموضوع وبدأت تنشر الفكرة: أن راحة الموظف وهو يشتغل في بيئة عمل مريحة هي التي تصنع الفرق.
هذه الفكرة لا تتكلم عن الشركة وخدماتها، ولا تتكلم عن شخص معيّن مؤسس أو شغّال فيها.
ومثلها أبل وفكرة الأخضر: أن نصل إلى هدف معيّن يكون فيه كل شيء Recycled — كل المنتجات من مواد معاد تدويرها أو معاد تصنيعها. وفكرة أن المقرّ نفسه كأنه غابة، فيها أشجار وبيئة وأكسجين. ولما تروح فروعهم تجد الأشجار موجودة داخل الفرع نفسه من جوّه: لا شمس ولا شيء، لكن الأشجار موجودة.
الفكرة هي التي تعزّز الشركة حتى تبدأ تأخذ مساحة من السوق.
وميزة هذا النوع أنه لا يحتاج منك إنجازاً بعد، ولا أرقاماً تعرضها، ولا مؤسساً مشهوراً. يحتاج منك موقفاً واضحاً من شيء ما، وأن تكون فعلاً تعمل به لا تتكلم عنه فقط. والناس التي تشبه هذا الموقف تأتي إليك وحدها، وتبقى معك أطول من التي جاءت لأجل السعر.
النوع الرابع: قصة عن النتائج
أكثر من مليار شخص يستخدم فيسبوك.
انظر للفرق. لو جئت وقلت لك: أنا أشتغل في التجارة الإلكترونية، ومحقّقون نتائج حلوة جداً، ولنا فترة طويلة — لن تهتم، ولن يكون الكلام مؤثراً فيك ولا شادّاً لانتباهك.
لكن لو قلت لك: نحن نشتغل أكثر من عشر سنوات، من ٢٠١٣، في التجارة الإلكترونية، وحقّقنا أرباحاً في ٢٠٢٢ فوق سبعة ملايين دولار، من متجرين فقط — هنا ستهتم. ستهتم أن تسمع القصة، وأن تعرف كيف وصلنا لهذا، وكيف تقدر تعمل مثلنا.
والفرق بين الجملتين ليس في الصدق. الاثنتان صحيحتان. الفرق أن الأولى صفة والثانية رقم، والرقم يفتح سؤالاً في رأس السامع: كيف؟ ومَن يسأل “كيف” هو مستمع كسبته.
وهذا النوع تستعمله معظم الشركات العقارية.
والنتائج نوعان: يا إما نتائج تريد أن تحققها في المستقبل، يا إما نتائج حققتها بالكامل في الماضي. وكلاهما يعزّز الولاء لعلامتك.
هل تستعمل الأربعة معاً؟
يأتي السؤال: هل ينفع أنا كشركة أستخدم الأنواع الأربعة؟
أقول لك: نعم، ينفع. والمثال عليها إيلون ماسك وشركة تسلا.
- الشخصي: يتكلم عن قصصه الشخصية، وتغريدة منه ممكن تطلّع السهم فوق أو ترميه في الأرض.
- الشركة: يتكلم عن الشركة وإنجازاتها والتفاصيل التي تقدّمها والمشكلة التي تحلّها.
- النتائج: الأرقام والإنجازات.
- الفكرة: أن السيارات الكهربائية من أهم الإنجازات التي ممكن تحصل للبشرية في هذا القرن. ومن تعزيز هذه الفكرة أنه جعل الأبحاث متاحة مجاناً لأي شركة تريد أن تشتغل في مجال السيارات الكهربائية، لأنه لا بد أن نتعاون مع بعض لنُعلي هذه الصناعة.
انتبه للنقطة الأخيرة: هو هنا لم يتكلم عن التحديات الخاصة بشركته، ولا عن نفسه، ولا عن إنجازاته. تكلم عن الفكرة.
لماذا أركّز على النوع الثالث تحديداً
لأن النوع الثالث كثيراً جداً ما يُغفل. وشطارتك وذكاؤك أن تلعب على الأنواع الأربعة.
وأبل هي البرنس في هذا الموضوع. لما مات ستيف جوبز، واتُّعمل الفيلم عنه، ثم فيلم ثانٍ، وانتهت القصة الشخصية — بدأوا يلعبون على أشياء أخرى: بدأوا يلعبون على أفكار يُخرجونها، وعلى إنجازات، وعلى ما تعمله الشركة من الداخل، وعلى الأرقام والنتائج.
ما الذي تفعله أنت
لو أنت شغّال في بزنس — سواء داخل شركة أو صاحب شركة — لا بد أن يكون عندك في كل نوع قصة، أو على أقل تقدير نوع أو نوعان منها.
ولو أنت لا تحب أن تتكلم عن نفسك، أو لا تحب أن تتكلم عن أشخاص موجودين في الشركة، فلا مشكلة — النوع الأول اختياري إلى حد كبير، ويُفضَّل لو تقدر عليه.
لكن الثلاثة الأنواع الثانية لازم يكونوا موجودين عندك. لازم تكون تتكلم فيهم، ولازم تكون فكّرت فيهم، ولازم تكون بنيت لهم قصة.
فلو ليس عندك فكرة تعمل عنها قصة، فأنت تقدر تعمل قصة عن شركتك، وعن التحديات والمشاكل التي تحلّها، وعن إنجازاتك. المادة موجودة، والذي ينقص هو أن تجلس وتبنيها مرة واحدة بدل أن ترتجلها كل مرة.
وارجع للسؤال الذي بدأنا به: لو طُلب منك غداً أن تتكلم ثماني دقائق عن شركتك، هل تعرف من أي الأنواع الأربعة ستتكلم؟ لو الإجابة لا، فالمشكلة ليست أنك لست خطيباً — المشكلة أنك لم تبنِ القصة أصلاً.
وبعد الأنواع تأتي الخطوة التالية: ما العناصر الأساسية التي لازم تكون موجودة في أي قصة، أياً كان نوعها من الأربعة. وهي ثمانية عناصر أساسية — وهذا موضوع الجزء التالي.
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.



