ثمانية عناصر تصنع قصة يصدّقها عميلك ويتذكّرها
هذا المقال مكتوب من الفيديو أعلاه، «سر قصص الشركات التي يحبها الجميع. كيف تقنع عملاءك بشكل مبهر في 8 خطوات فقط؟ (سحر القصة الجزء الثاني)»، ومدّته 21:32.
في الحلقة السابقة تكلمنا عن أنواع القصص، وعن أهمية أن تكون عندك قصة تحكيها أصلاً — عن نفسك أو عن البزنس الذي تديره. اليوم نفتح القصة من الداخل: ثمانية عناصر، إذا وُجدت اشتغلت القصة، وإذا نقص منها عنصر خرج الكلام ناشفاً والناس لم تبتلعه.
وقبل أن نبدأ، نقطة تغيّر نظرتك لكل ما سيأتي بعدها: القصة التي تبدو لك تلقائية ليست تلقائية. هي مذاكرة جيدة جداً. الشخص الذي يحكي وأنت مندمج معه يعرف بالضبط ماذا يفعل، والذي يردّ عليه فاهمٌ هو الآخر ما قيل — لأنه لو لم يُقَل جزء، فلن يجد ما يكمل عليه.
كان يا مكان: افرش المسرح في أقل من دقيقة
العنصر الأول هو الفرش. في هذا الجزء تضع الأحداث، والمكان، والزمان، والشخصيات الأساسية الموجودة في القصة.
خذ القصة التي حكيتها في الحلقة الماضية: في سنة 2011 كنت مشتركاً في نشاط طلابي في هندسة عين شمس. لاحظ ماذا فعلت في جملة واحدة — وضعت زمناً، ووضعت مكاناً، ووضعت حدثاً. ثم بدأت أفرد الشخصيات: أنا، ومدير أعطاني تاسك، وفريق سأشتغل معه. هذا هو الفرش: ما هي المحتويات الموجودة في القصة، أشخاصاً وأماكن وزمناً.
أنت غالباً تتذكر هذا من موضوع التعبير في الابتدائي والإعدادي، حين تكون القصة قصيرة قصيرة. لكن حين تأتي لتحكي قصة حقيقية داخل شركتك، أو في إيفينت، أو على ستيج TEDx، فالمهم جداً أن تمرّ في دقيقة أو أقل من دقيقة، وتوجِد الحدث كزمن ومكان وأشخاص، ثم تمضي.
ولاحظ من يفعل هذا باحتراف: مقدّمو الحوارات. ستجد أن جزءاً كبيراً جداً من الزمن والمكان والأشخاص موضوع داخل السؤال نفسه — يسألك عن حدث وقع مع شخص بعينه، في فيلم بعينه، أو في مكان بعينه، أو في زمن بعينه. وهو بذلك يختصر على المتكلم هذا الجزء كله من الحوار. هذا ليس ارتجالاً، هذه صنعة.
الجانب المشترك: لماذا تحب محمد صلاح تحديداً
العنصر الثاني هو الجانب المشترك بينك وبين المتلقي.
حين تكلمت في المرة الماضية عن وفاة والدي، وما قبلها وما بعدها — كل واحد جالس أمامي، إن كان والده متوفى، فهو يلمس داخله موضعاً فيه مشاعر وفيه جرح. وإن كان والداه على قيد الحياة، أطال الله عمرهما، ففي داخله موضع خائف من اليوم الذي يفارقهما فيه. فالجانب المشترك موجود بينكما بالفعل: حب الوالد، وأن رحيله حدث يقلب الحياة 180 درجة.
الجانب المشترك يعزّز القصة دائماً. قصة محمد صلاح قوية ومؤثرة أكثر من لاعبين آخرين لأنه طالع من تراب الأرض التي نعيش فيها، والقصة التي تُحكى عنه أنه كان يسافر الفجر ليذهب إلى المقاولين ثم يعود. كم طالباً يصحو الفجر ليلحق بالمحاضرة قبل أن يقفل الدكتور الباب؟ كم واحداً يصحو للمدرسة أو للامتحان؟ الجانب المشترك بيننا وبينه كبير جداً، وهو نفسه الذي يجعلك تشعر أن محمد صلاح مختلف عن أي أحد آخر.
طيب، والباقون ليسوا كذلك؟ الناس الآخرون لم يخرجوا من الظروف نفسها؟ بلى. لكنك تعرف قصة محمد صلاح لأنه حكاها، لأنها ظهرت. هو يعرف كيف يستخدم الإعلام جيداً جداً. ليست تلقائية — هو عارف يعمل إيه.
فقصتك، بعد “كان يا مكان” والأحداث، لا بد أن يكون فيها هذا الجانب المشترك. هو الذي يصنع الترابط بينك وبين المستمعين، وهو الذي يسمح لك بعدها أن تأخذهم إلى حيث تريد.
بطل وشرير: كيف حكت Apple قصة عن خصوصيتك
العنصر الثالث: لا بد أن يكون في شخصياتك جانب إيجابي وجانب سلبي، والاثنان متقابلان. بطل وشرير. والشرير ليس بالضرورة شخصاً — قد يكون مرضاً، وقد يكون الموت، وقد يكون أي شيء. لكن في النهاية هناك بطل يتغلب على شرير.
خذ Apple. هي تحارب قوى الشر التي تحاول أن تأخذ خصوصية بياناتك. في إعلانها هناك مزاد يُقام على بياناتك الشخصية: حياة هذا بكذا، وحياة ذاك بكذا، والمعلنون هم الذين يزايدون، والذي يكسب هو الذي يأخذ الإعلان. وهذا قريب جداً من الواقع: الإعلان يظهر لك لأن أحداً دفع ليظهر لك، وفيسبوك أو إنستجرام أو غيرهما يعرضه بناءً على بياناتك واستخدامك للتطبيق، وحتى الميكروفون في تليفونك يُستخدم.
فماذا فعلت Apple؟ لعبت على أنها الجانب الإيجابي، البطل الذي يحميك من هذا كله، فيقفل عليك خصوصيتك وتكون بياناتك في أمان. حكت قصة، والقصة حقيقية جداً ومرتبطة بك، وفيها جانب مشترك بينكما، وفي الوقت نفسه صوّرت الشركة على أنها البطل. وهي في النهاية تقدّم فكرة — الخصوصية — وتقدّم معها فيتشر أساسية عندها هي الأمان.
التحدي: الملح الذي يجعل القصة تُبلع
العنصر الرابع هو التحدي. لا بد أن يكون هناك تحدٍّ يحدث.
تخيل أن تأتي لتحكي: والله أنا دخلت الثانوية العامة وذاكرت سنتين كاملتين ودخلت هندسة. تمام. وما المشكلة؟ ما الذي أوقفك أمامي الآن لتتكلم؟ ما الذي أطلعك على التلفزيون؟ ما الذي أوقفك على ستيج TEDx؟ الذي أوقفك هو التميز، هو الشيء المختلف الذي حدث في قصتك وتغلّبت عليه.
التحدي هو الملح الذي تضعه في القصة. قصتك يجب ألا تكون مايعة.
كلنا نتزوج. لو جئت تقول: أنا تزوجت من خمس سنين واشتغلت وخلّفت اثنين — كلنا نفعل ذلك. أين التحدي؟ لكن امرأة تحكي: تزوجت، ثم تعب زوجي جداً وقعد في البيت، فاضطررت أن أنزل أشتغل وأصرف على البيت، حتى خفّ بعد سنتين وقام واشتغل، وبعد ما اشتغل فتح الله عليه وكنا في حال جيد جداً، إلى أن حدث ما حدث وانفصلنا — انفصلنا بشكل جيد من أجل أولادنا — ورغم ذلك نزلت أشتغل من جديد وربّيت أولادي حتى لا يشعروا بأي مشكلة بينهم وبين أبيهم. هذه قصة تُحكى، مع قليل من التظبيط.
ولاحظ التوازن هنا مع العنصر الثاني: نعم، لا بد من جانب مشترك بينك وبين محمد صلاح، لكن لا بد أيضاً أن يكون هو محمد صلاح الذي ذهب ولعب في ليفربول — الذي ليس مثلنا كلنا. كم واحداً ذهب ولعب في ليفربول؟ فأنت تُوازن دائماً بين الجانب المشترك الذي يقرّبك من المستمع، والتحدي الذي ميّزك وجعلك واقفاً على الستيج وهو قاعد يسمعك.
المواجهة الحتمية: منافسك هو الشرير
العنصر الخامس هو المواجهة. أنت الآن بنيت أحداثاً وشخصيات، ووضعت جانب خير وجانب شر، وبنيت التحدي. إذن لا بد أن تحدث مواجهة. مواجهة حتمية. التحدي لا بد أن ينتج عنه لقاء بين الطرفين، ومحمد صلاح لا بد أن يواجه اتحاد الكرة.
والمستمع ينتظر هذه المواجهة. أنت طوال اشتغالك على القصة تبني عنده توقعاً بأن مواجهة ستحدث، ونتيجتها معروفة على الأرجح — الخير — ووارد جداً ألا تكون كذلك. وطريقتك في الإلقاء وفي ترتيب الأحداث هي التي تحدّد كيف تخرج هذه المواجهة.
داخل الشركة، هذا النوع من القصص هو الذي يركّز على المنافس. المنافس شرير جداً، وأنت طوال الوقت تشتغل على مواجهته. ليس شرطاً أن يكون هو السيء الوحيد في الدنيا، لكنه شخص ستواجهه: أنت ستنزل بإعلانات، وهو سينزل بإعلانات، لنفس السوق ولنفس العميل؛ أنت ستحاول خطف العميل، وهو سيحاول خطفه؛ والعروض التي ستعملونها وتفاصيلها كلها ستبني القصة. هذه القصص هي التي تحمّس موظفيك، وهي التي تدرّبهم على التعامل مع المنافس، وتمرّر لهم الأفكار من خلال جزء المواجهة هذا.
الدراما: الكلام الناشف لا يُبتلع
قلت لي مواجهة حتمية، ووضعت تحدياً، وهذا كله جيد — لكن الكلام كله ناشف. لا أستطيع أن أبلعه.
لكي تبلع أي شيء تحتاج الدراما. تحتاج المشاعر. لا بد أن تحب محمد صلاح، ولا بد أن تتخانق على محمد صلاح، ولا بد أن تكون هناك مواقف تكرهه فيها، ولا بد من مواقف تقول فيها إن هذا وارد أن يحدث من أي أحد، وإن أبو تريكة أحسن. المشاعر لا بد أن تحدث في أي قصة.
والقصة الشاطرة هي التي تجعل المشاعر متخبطة قليلاً: شوية فرحان وشوية زعلان. في الفرح تضحك وتكون مبسوطاً، وفي الحزن تعيط، وفي الفخر أنت طائر في السماء، وفي أوقات الانكسار الحياة سوداء في وجهك.
وهنا نقطتان لا واحدة. الأولى: كيف تبني هذه المشاعر داخل القصة نفسها. والثانية: كيف تنقلها إلى المستمع أو المشاهد أمامك. والشخص الذي تخاطبه ليس شرطاً أن يكون على التلفزيون — قد تكون تتكلم مع صاحبك، أو مع التيم بتاعك، أو في مؤتمر. لا ينفع أن تكون تتكلم عن الفرح وتريد أن تنقل فخراً، فينتقل للمستمع ملل أو عدم اهتمام. ساعتها القصة تبوظ.
الدرس المستفاد: ماذا سيأخذه المستمع من كلامك؟
العنصر السابع هو الدرس المستفاد. تعرف الإفيه الكوميدي الشهير: يحكي لك القصة كاملة جداً، وتكون منتبهاً ومشدوداً، وحين تصل إلى اللحظة التي يفترض أن يقول فيها ما يريد قوله من وراء القصة — لا شيء. لا يقفل القصة. الكوميديا كلها في أنه يقف عند هذه النقطة بالذات.
أنت، حتى لو قفلت القصة: ماذا سأستفيد منها؟ ما الذي من ورائها؟
هذا مهم جداً. أي قصة تحكيها لا بد أن يكون فيها فكرة، أو درس، أو درسان أو ثلاثة، أو مبدآن أو ثلاثة تريد أن توصلها للناس. لا ينفع أن تطلع لتقول قصة وخلاص. نحن أصلاً نتكلم عن كيف تبني قصة لأن في رأسك أفكاراً، وعندك شيء تريد إيصاله، والقصة هي الوسيلة الأفضل والأهم والتي لها سحر في نقل هذه الأفكار. فأن تكون عارفاً ما هي هذه الدروس والمبادئ والأفكار، وأن توصلها — هذا هو العنصر الأهم. وإن لم يكن، فلا لزوم لها.
تخيل أنك تشاهد فيديو عشر دقائق، وفي النهاية لم تلتقط منه أي شيء. ماذا سيحدث؟
الانطباع النهائي: المحاضر الذي غيّر حياتي
العنصر الثامن هو الذي سيجعلني أسمع لك القصة الثانية والثالثة والرابعة: الانطباع النهائي.
من فترة طويلة، تقريباً 2008 أو 2009، كنت أشتغل مع محاضر تنمية بشرية، من أحسن الناس في حكي القصة، تخرج من عنده متحمساً جداً. وهو من الناس الذين غيّروا حياتي بالمناسبة. كنت موجوداً في محاضرة من محاضراته، وبعدها ذهبت إليه سيدة وقالت له:
أنا أحب محاضراتك جداً وآتي لك طوال الوقت، لكن عندي مشكلة واحدة: أنا أحب أن أكتب وراء المحاضر ماذا استفدت، لأتذكّر بعد ذلك.
وأرته الورقة. كانت كاتبة فيها سطرين فقط: أنا متحمسة جداً وخارجة مبسوطة جداً من محاضرتك، وسأبحث عن الندوة القادمة، وأحرص عليها — لكنني لا أعرف أن أكتب ماذا استفدت منك.
هذا المحاضر لم يشتغل على الدروس المستفادة. هو اهتم بأن تترك قصته انطباعاً نهائياً حلواً جداً عند المستمعين. ونجح. كل قصصه نجحت.
وهذا ليس غريباً: ليست كل الأفلام التي ستدخلها ستستفيد منها شيئاً — 90% منها لن تستفيد منها شيئاً. لكن كل الأفلام الناجحة هي التي تخرج منها مبسوطاً، وهي التي تجعلك تدخل الفيلم القادم للممثلين أنفسهم ولصنّاع العمل أنفسهم.
فقصتك لا بد أن تكون مشوقة، ولا بد بعد أن تنهيها أن تكون تركت الانطباع الذي كنت تريده فعلاً. لو أردت أن تعمل success وأن يصفّق لك الناس، فلا بد أن تكون أعطيتهم هذا الانطباع، فهو الذي يصفّق لك في النهاية. أهل المسرح يعرفون هذا جيداً: كيف تتحكم في الصوت وفي طريقة الإلقاء. والممثل المخضرم حين يمر بموقف يطلب فيه التصفيق ولا يصفّق أحد، يأخذها بشكل كوميدي كأنه يسخر من نفسه. لكنك أنت لست كوميدياً، ولست ممثلاً، ولست على مسرح بهذه الطريقة — أنت واقف تقدّم فكرة عن شركتك، أو قصة في TEDx أو غيرها. قد تعمل أشياء كوميدية، وشخصيتك هي التي تفرق ساعتها.
والمقياس بسيط: كم دكتور جامعة كنت تحضر له لأنه ظريف ومحاضرته لذيذة، بينما محاضر آخر يعطيك محتوى أقوى ومادة علمية أكبر، لكنه لا يعرف أن يشرح ولا أن ينظّم الدنيا في شكل قصة، والقصة الوحيدة التي يعرفها هي أنه كان في أمريكا يشتغل على بحث — فيحكيها طوال السنة؟ هذا غالباً لن تحضر له، وستجد الحاضرين عنده قليلين.
الثمانية ليست بالترتيب
اجمعها: كان يا مكان، ثم الجانب المشترك بينك وبين الناس، وجانب الخير وجانب الشر، والتحدي، والمواجهة الحتمية، والدراما والمشاعر، والدروس المستفادة، والانطباع النهائي الذي يصل للناس بعد أن تسكت.
لكنها ليست بالترتيب. نعم، هناك أشياء ترتيبها ثابت: السرد المكاني والزمني والتعريف بالشخصيات في أول القصة، والانطباع النهائي بعد نهايتها. أما ما بينهما فأنت تلعب فيه:
- قد تحتاج أن تُدخل شخصية في نصف القصة، فتبني لها تعريفها ساعتها — من أين دخلت وأين تعرّفت عليها — على حسب طول القصة وقِصرها.
- التحديات قد تكون خمسة أو ستة، تطلع وتنزل بها على مدار القصة.
- جانب الخير والشر قد ينقلب: شخص كان شراً وأظهر نفسه خيراً ثم عاد شراً.
- الجانب المشترك تستطيع كل فترة أن تعطي منه جزءاً جديداً، لتزيد دعم الناس لك.
- والمشاعر: في كل جزء من هذه الأجزاء تضع جرعة، تجعل الناس تنشدّ، وتحب شخصيات وتكره أخرى.
فالثمانية ليست خطوات على خط مستقيم، لكنها ثمانية لا بد أن تكون موجودة في قصتك، وأنت الذي توزّعها.
الآن، وقبل أن تقرأ أي شيء آخر: هات ورقة وقلماً. اختر نوع قصة معيناً، وابدأ فكّر في قصة تحكيها عن نفسك أو عن شركتك. اقعد مع نفسك خمس دقائق فقط وابنِ عليها، وراعِ أن تكون العناصر الثمانية موجودة فيها. الحلقة التالية عن أنماط القصص — عن الخط الذي ستمشي فيه قصتك، عن نفسك أو عن شركتك أو عن فكرتك أو عن نتائجك — وحينها تقارن ما بنيته بما ستسمعه، وتعيد بناءها مرة أخرى. المقارنة هذه هي التي ستعلّمك، لا القراءة.
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.



