المتجر الإلكتروني آخر شيء في التجارة الإلكترونية
هذا المقال مكتوب من الفيديو أعلاه، «لا تدخل في التجارة الالكترونية ! هل المتجر الالكتروني مهم ومناسب لك ام لا ؟»، ومدّته 10:53.
أي حد عنده محل، أو عنده بيزنس عموماً، ويريد أن يدخل مجال الأونلاين — أول ما يفكر فيه هو المتجر الإلكتروني. وهذا بالذات هو الترتيب الخطأ. المتجر الإلكتروني آخر شيء في التجارة الإلكترونية، لا أولها.
هذا الكلام موجّه لك أنت تحديداً: صاحب المشروع القائم، الذي عنده المنتج ويبيع في محلاته، والعميل يأتي إليه فيبيع له. أنت داخل جديد على الموضوع، ولا علاقة لك بالأونلاين ولا بالتسويق.
أنت لست الشخص الذي دخل من باب التسويق
هناك شخص آخر مختلف عنك تماماً، وأنت تقيس نفسك عليه بالخطأ.
هذا الشخص كان قاعداً في البيت، أو يبحث عن شغل، أو يبحث عن بيزنس يعمله، ولا يعرف شيئاً عن التجارة — لكنه تعلّم التسويق، وتعلّم كيف يبيع منتجات. فاشتغل في التسويق بالعمولة فترة، ثم بدأ يأخذ منتجات من أمازون أو من التجار الموجودين ويشتغل عليها، ثم دخل المجال بنفسه.
هذا الشخص يفهم إلى حد كبير من أين يبدأ ومن أين يتحرك. أنت في الجهة المعاكسة تماماً: عندك المنتج، وعندك المحل، وينقصك بالضبط ما عنده هو.
أول سؤال: ميزانيتك كام؟
في كل اجتماع تقريباً — وقد نعمل خمسة أو ستة في اليوم — يتكرر نفس الكلام: أنا جاي أعمل متجر إلكتروني علشان أبدأ أبيع من خلاله.
فأسأل: ميزانيتك قد إيه؟
والناس تقلق من السؤال: “لا، قل لي أسعارك أنت”. وأنا لا أسألك عن الميزانية لأقول لك السعر — السعر تقريباً قريب من بعضه، في مصر أو هنا، ولأي عميل تقريباً نبيع بنفس السعر. الفكرة ليست في السعر ولا في المتجر. الفكرة في ميزانيتك أنت عموماً.
عندنا عميل له ثلاثة محلات كبار جداً في مول هنا في دبي. للأسف هو غير مستفيد من المتجر بـ 5%. حين أسأله: إيه الوضع عندك؟ يقول: والله نص نص. وحين تذهب لتنظر في الخلفية وتسأل لماذا “نص نص”، تجد أن المشكلة ليست في المتجر أصلاً — المشكلة أنه لا يصرف.
وهذه مشكلة كبيرة جداً: أنك تتخيل التجارة الإلكترونية بنفس فكرة المحل. أفتح المحل وأقعد والزبائن تأتيني. هذا لا يحدث.
قاعدة العشرين بالمئة
لكي تضبط ميزانيتك، اقسمها بحيث لا يزيد المتجر الإلكتروني عن 20% منها. لو معك 100,000 درهم أو 100,000 جنيه، فالمتجر الإلكتروني عندك يجب ألا يزيد عن 20,000.
لماذا؟ لأنك حين تعمل المتجر وتبدأ تشغّله ستجد مصاريف تشغيل تحتاج لها سيولة. وبعد أن تشغّله وتستقر مصاريف التشغيل، ستجد مصاريف التسويق — وهي الأهم.
أقل فلوس تصرفها يجب أن تكون على المتجر. لا ينفع أن تصرف السيولة التي معك كلها في متجر إلكتروني. أنت تستطيع ببساطة أن تعمل متجراً بـ 200 ألف دولار، وتستطيع أن تعمله بنصف مليون درهم — الفئات العالية جداً موجودة. لكنك تذهب إليها وليست عندك صورة كاملة.
عندي أنا: أن تعمل متجراً بـ 10,000 درهم وتصرف 400 ألف على التسويق، أحسن لك بكثير من أن تصرف 500,000 درهم على المتجر ثم تصرف 10,000 على التسويق — أو لا يبقى معك في التسويق شيء أصلاً.
بل أبعد من ذلك: لو اشتغلت على إنستجرام فقط، بدون متجر إلكتروني وبدون ويب سايت وتطبيق، ومعك فلوس تصرفها على إنستجرام — ستحقق نتيجة أفضل بكثير من أن تعمل تطبيقاً إلكترونياً بدون تسويق له.
كيف تحسب تكلفة التسويق فعلاً
التسويق ليس رقماً تخترعه. تحسبه من عناصر:
- سعر المنتج. أقل منتج عندك سعره كم، وأعلى منتج سعره كم، ومتوسط السعر كم. سعر المنتج يفرق جداً في تكاليف التسويق.
- السوق الذي أنت فيه.
- الفئة المستهدفة. من هي، وكيف تقنعها.
- المنافسون. ماذا يفعلون وإلى أين وصلوا. قد يكون السوق غنياً جداً والمنافسون قليلين، فيسهل عليك أن تطلع. وقد يكون السوق جيداً والتسويق جيداً وكل شيء تمام، لكن المنافسين كثيرون جداً، فيصعب أن تصل. هذا لا بد أن تكون دارساً له.
- من الذي سيسوّق لك. هل هو شخص شاطر يقدر أن يحقق نتائج وفاهم ماذا يفعل — حتى لو وصل بعد ستة شهور، فأنت عارف متى ترجع الفلوس — أم شخص ما زال يجرّب؟
بعد ذلك تُخرج تكلفة التسويق على كل منتج تبيعه. وتخرجها من الاختبارات: تشتغل شهرين ثلاثة تعمل إعلانات مختلفة، على منتجات مختلفة، بطرق إعلان مختلفة، وفي أوقات مختلفة، حتى تصل إلى أن منتجك تكلفة تسويقه — وليكن — 50 درهماً. فتبدأ تضعها على المنتج.
ثم النقطة التالية: كم أريد أن أبيع في الشهر لأحقّق break-even؟ أنا أصرف 100 ألف وأريد أن أرجّع 100 ألف — كم طلباً أحتاج على الموقع للوصول إلى هذا؟ وبعد أن تصل إلى نقطة أن الداخل على قدّ الخارج، تحسب كم أوردر تحتاج لتحقيق الربح الذي تريده. ثم تبدأ تحصد ما زرعته خلال سنة أو سنة ونصف.
وحين أقول للناس سنة أو سنة ونصف، يستكثرون المدة: “لا، ده شغل ونبدأ”. لا. سنة إلى سنة ونصف لكي يقف بيزنس التجارة الإلكترونية على رجليه.
مئة أوردر في اليوم وأنت خسران
قد ترى شخصاً يعمل خمسين أوردر في اليوم وهو خاسر. في فترة من الفترات كنا نعمل حرفياً ملايين — وحين تنظر في الأرقام تجدك كاسباً سبعة أو ثمانية آلاف، وأحياناً خاسراً.
لماذا؟ لأن عندك تكاليف:
- تكلفة الإعلان.
- تكلفة الفريق الشغّال.
- سعر المنتج الذي تصنعه أو تستورده.
- تكلفة الشحن.
- تكلفة المرتجعات.
فحين تضع هذه التكاليف كلها على المنتج، قد تكون مطلّعاً مئة أوردر في اليوم، وفرحاناً جداً، وأمام الناس أنت ناجح جداً — لكن على الورق فقط. في الحقيقة أنت قد تكون خاسراً.
وهل هذا يعني أنك وحش؟ لا، عادي. ممكن في البداية تكون خاسراً لأنك في المستقبل ستنجح وستقف على رجليك. لكن اعرف أنك خاسر، ولا تصدّق عدد الأوردرات.
خذ الفارق الزمني كما هو: بيزنس التجارة الإلكترونية يحتاج سنة إلى سنتين ليقف على رجليه. والمتجر الإلكتروني نفسه؟ تعمله في 15 يوماً أو شهر. ولو ستعمل شيئاً عالياً جداً، ستة شهور.
ما الذي يجب أن تقيسه في المتجر
المتجر عندك بعشرة آلاف وميزانيتك مئتا ألف؟ أنت صح، صح جداً — طالما هذا المتجر يحقّق النتائج التي تحتاجها. وهذه النتائج هي التي تنظر إليها، لا الشكل:
- هل يرتبط جيداً بالبكسلز وأدوات السوشيال ميديا، من أجل التتبّع وإعادة الاستهداف وإعادة التسويق؟
- هل يستحمل المنتجات التي ستوضع عليه؟
- سرعته كويسة ولا لا؟
- الأمان فيه كويس ولا لا؟
- تجربة المستخدم عليه كويسة ولا لا؟
ليس “شكله حلو ولا لا”. ممكن يكون شكله تحفة وهو سيئ جداً. الحكم يأتي من الاختبارات: أن ترى عميلك يدخل، ويختار المنتج الذي يريده بسهولة، ويشتري بسهولة، ويخرج بسهولة. هذا هو الهدف. الهدف ليس أن تعمل متجراً حلواً — الهدف أن تكون رحلة العميل داخل متجرك مريحة وسهلة وسلسة.
الفرخة ومئة معزوم
انتبه للتناسب. لا تذهب فتختار شيئاً سعره بسيط، واستضافة بسيطة، ثم تقول لي: أنا عايز أعمل إعلانات بخمسين ألفاً في الشهر. إلى أين ستُدخل هؤلاء الناس كلهم؟
تخيل معي: تقول لي إنك تعمل غداءً وجايب فرخة، ثم تقول لي إنك ستعزم مئة شخص عليها. لن ينفع. لو ستعزم اثنين أو ثلاثة فالفرخة تنفع. أما مئة شخص، فهات لنا عجلاً — وعجلين كمان.
فالفكرة: اعمل متجراً إلكترونياً مناسباً لاستراتيجيتك. أنت في الأساس عامل استراتيجية، فيها ميزانية أنت واضعها، وفيها توقعات حقيقية لا وردية — سنة، سنة ونصف، سنتان — وفيها تسلسل: في الأول أوردر في اليوم، ثم خمسة أوردرات في اليوم، ثم عشرة. ومع هذا التطور أنت تطوّر المتجر، وتطوّر الاستضافة، وتطوّر فريق التسويق، وتطوّر ميزانية الإعلانات، وتطوّر طريقة الشحن.
وتطوّر رحلة المستخدم في البيزنس كله، لا في المتجر وحده: بعد أن يطلب، هل هناك من يؤكّد الأوردر؟ من يرسله؟ ثم يستلمه، أو تحدث مشكلة فيرجعه — كيف؟ الدائرة كلها تتطور، حتى تصل إلى مرحلة تكون فيها فعلاً أحسن من أي محل أو أي سلسلة محلات عندك. لكن بالعقل، وبدون أحلام وأوهام.
الموضوع مؤلم، وهذا ليس تخويفاً
الموضوع فيه مشاكل كثيرة جداً. وليست الفكرة أنك عندك منتج وعندك محلات من ثلاثين أو أربعين سنة فخلاص ستنجح حين تدخل. الموضوع يحتاج أن نهدأ قليلاً، وأن نأخذ كل شيء بالتسلسل الطبيعي له: ألا نصرف في أشياء ليست الأهم بالنسبة لنا، وألا نقفل دماغنا كناس تقول “لا بد أن أعيّن تيم لأعمل متجراً إلكترونياً”، أو “لا بد أن أعمل متجراً بالشكل الفلاني وأدفع الفلوس الفلانية”. هذا شخص يريد أن يدفع، وسيجد من يأخذ منه — لكنه دفع في شيء لا يحتاجه.
الهدف من هذا الكلام شيئان: ألا تدفع في شيء لا تحتاجه، والأهم ألا تخرج. لأن ما يحدث عادة أن الشخص يبدأ في التجارة الإلكترونية، ثم يجد الموضوع صعباً، فيتعطّل، فيقول ليس عندي وقت، والناس الشغّالة ليست كويسة، وشركة البرمجيات نصبت عليّ — فيفرط منه الموضوع ويخرج.
وهؤلاء أكثر بكثير جداً. أنت ترى واحداً أو اثنين نجحا، وفي مقابلهما ألف بدأ وجرّب ودفع فلوساً ووقتاً ومجهوداً وهمّاً وتعباً — وفشل. أتمنى ألا تدخل ضمنهم.
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.



