فكرة جديدة كل شهر ولا مشروع مكتمل؟ ثلاث خطوات للخروج
هذا المقال مكتوب من الفيديو أعلاه، «التشتت حاجز بينك وبين النجاح؟ أهم ٣ خطوات للتغلب على التشتت والمشتتات، مهم لتطوير مشروعك أو شركتك»، ومدّته 11:59.
أمس كنت أتكلم مع شخص عنده مصنع، ومشكلته ليست في المصنع. المصنع قائم منذ سبع أو ثماني سنوات، ولم يكبر — لا بسبب السوق ولا بسبب المنتج، بل بسبب مشاريع أخرى بدأها بجانبه.
هذه أكبر عقبة أمام أن تستمرّ وتكبّر المشروع الذي أنت شغّال فيه فعلاً.
المشكلة ليست في الفكرة ولا في إمكانياتك
قلّة الأفكار مشكلة كبيرة: أن تكون غير عارف تعمل إيه. لكن كثرة الأفكار مشكلة كبيرة أيضاً — الأفكار التي تجيء وراء بعضها أو مع بعضها، وأنت تريد أن تعملها كلها.
عندي أنا شخصياً كانت هذه المشكلة واضحة جداً منذ عشر سنوات. أبدأ مشروعاً، وبعد شهر أو شهرين أجد نفسي غير حابّ أن أكمل فيه، وحابّاً أن أروح أعمل مشروعاً ثانياً — فكرة جديدة، أكون متحمساً لها أكثر، فأبدأ أشتغل عليها أكثر، وهكذا. الموضوع عمل لي أزمة كبيرة: عشرة مشاريع في خلال ثلاث أو أربع سنوات، ولا مشروع فيهم كمّلته للآخر.
وفي نفس الوقت المشاريع كلها تفشل. ليس لأن المشروع وحش، ولا لأن إمكانياتك قليلة — لأنك مشتّت.
الحيل الثلاث التالية بدأت أعملها مع نفسي تقريباً من ٢٠١٤ و٢٠١٥، وفرقت كثيراً جداً في شغلي.
الحيلة الأولى: اكتبها كاملة، ثم نَم عليها أسبوعين
تجيء لك فكرة جديدة وأنت متحمس لها جداً. جميل. امسك ورقة وقلماً وابدأ اكتب الفكرة بخطواتها، كأنك تبني دراسة جدوى كاملة. طلّع الحماس الذي جوّاك كله على الورق. اكتب حاجة حقيقية: الفكرة بتفاصيلها، وكل حاجة ممكن تفكر فيها.
أعطيك مثالاً بسيطاً: قناة اليوتيوب التي تتفرج عليها الآن. الفكرة عندي منذ أربع أو خمس سنوات. لاحظت أن المؤسسين الذين خرجوا من مصر، والذين يشتغلون داخلها، عندهم حب شديد جداً للبلد ورغبة في أن يعملوا لها شيئاً جديداً أو شيئاً كبيراً، وأن عددهم كبير جداً سواء الموجودين في مصر أو الموجودين بره. فقلت: لماذا لا نعمل قناة لا أتكلم أنا فيها وحدي، بل بعد فترة أبدأ أستضيف مؤسسين من مصر يتكلمون عن تجربتهم، ويكون فيها بودكاست ومحتوى مختلف — أو ليس شرطاً أن يكون مختلفاً، لكن مفيداً يُقدَّم للناس. من هنا جاءت الفكرة، وفيها حماس وفيها شغل.
الخطوة التالية: سيّب الموضوع ينام أسبوعين أو ثلاثة. وهو سينام وحده — ستتفرج على فيلم، وتتفرج على ماتش، وتروح شغلك، والموضوع سيرتاح معك.
ثم ترجع له بعدها فريش، وتبدأ تقرأ الفكرة ثانية كأن شخصاً آخر هو من كتبها. وطبعاً لن تكون هذه الفكرة الوحيدة — من عنده تشتت ستطلع منه ثلاث أو أربع أفكار في خلال أسبوع. فبعد الأسبوعين أو الثلاثة، طلّع الورقتين أو الثلاث من الدرج وابدأ اقرأهم، وشوف: هل ما زال عندك الحماس الذي كان موجوداً ساعتها أم لا؟
حماس لحظة الكتابة سيكون راح، هذا طبيعي. لكن السؤال الحقيقي: هل هناك اقتناع، أم أن الأمر كان مجرد حماس راح لوحده؟ فتطلع من الثلاثة فكرة واحدة تحس أنك مقتنع بتنفيذها، وأن وراءها هدفاً، وأنك حابّ فعلاً أن تعمل حاجة فيها.
الحيلة الثانية: اتعلّمها في وقتك الفاضي
أنا عايز أعمل قناة يوتيوب. طيب: هل تعرف تصوّر؟ هل تعرف تمسك الكاميرا؟ هل تعرف يعني إيه مايك؟ هل تعرف يعني إيه مونتاج؟ لا تعرف أي حاجة خالص.
هنا تأتي الخطوة الثانية: ابدأ اتعلّم. شوف المونتاج يُعمل كيف، وما هي برامج المونتاج التي ممكن تشتغل عليها. خذها في وقت فراغك، من غير ما تؤثّر على شغلك الأساسي. تتفرج على الفيديوهات وتقيّمها، وتشوف هل تطبّق فيها ما تعلّمته أم لا.
الموضوع ممكن يأخذ منك شهراً، أو اثنين، أو ستة، أو سنة — يأخذ ما يأخذ، لغاية ما تحس أنك بقيت جاهزاً لعمل نموذج أولي. والموهبة هنا لها دور: هي تسرّع التعلّم عندك، لا أكثر.
ولاحظ أن الحماس لم يعد موجوداً في هذه المرحلة، لأن الحماس كان في أول نصف ساعة أو ساعة أو يوم كنت تفكر فيه في الفكرة. أما الآن فهناك اقتناع، وهناك خبرة، وهناك شغل أنت مطلّع عليه.
لمن هذا الكلام بالضبط
خذ بالك من نقطة مهمة: أنا لا أتكلم على شخص يريد أن يعمل مشروعاً الآن ومعه فلوس ويريد أن يبدأ خلال فترة معيّنة. هذا ليس كلامي.
أنا أتكلم عن شخص شغّال في وظيفة فعلية، أو شغّال في شركته فعلياً. عنده مشروعه وعنده حاجته، لكن مشكلته أنه طول الوقت يفكر في حاجات يبدأها — فيؤثّر ذلك على شغله الأساسي، وعلى ماليته، وعلى الفلوس التي في جيبه، وعلى وقته، وعلى تركيزه، وعلى طاقته.
والتشتت يحصل داخل الشركة نفسها كذلك. الناس الذين معي في شركة البرمجيات يحسّون بهذا: في خلال ٢٠١٩ طلّعنا ثلاثة مشاريع — سيستم، ونظام تسويق بالعمولة، وغيرهما — طلّعنا الثلاثة ولم نكمّل وراء واحد فيهم، وعملنا رابعاً واشتغلنا به. نفس الدائرة بالضبط.
الحيلة الثالثة: نموذج أولي حقيقي، لا خيال
بعد الستة شهور أو السنة التي تعلّمت فيها، وبعد أن تكون قد استقرّيت على فكرة أو اثنتين مما كتبته على الورق، تجيء مرحلة التنفيذ: Prototype أو MVP.
ابدأ اعمل القناة. اشترِ الدومين. نزّل فيديو أو اثنين. جرّب ما تعلّمته في مونتاج هذه الفيديوهات فعلياً. وهذا سيوصلك إلى نقطتين:
- ستشوف ناساً تتفرج عليك. أنت تعلّمت في النظري، والآن ترى الحقيقة: والله أنت دمك خفيف قدام الكاميرا وعندك حضور — أو والله أنت رخم، لا تطلع قدام الكاميرا ثانية، وشوف لك حاجة ثانية. الفيديو يعطيك مؤشرات: هل أنت فعلاً مناسب للموضوع، أم أن الأمر كان في خيالك فقط؟
- ستكتشف الفرق بين أن تذاكر وأن تنفّذ. لك ستة شهور وأنت تتعلّم وتتعلّم، لكن لمّا تجرّب بيدك ستعرف: هل ستعرف تعملها أم لن تعرف؟ وربما تحتاج أن تذاكر لها ثانية. وهنا تبدأ تكتسب خبرة حقيقية.
اكتب الدراسة مرة ثانية — لكن بخبرة هذه المرة
الخبرة التي جمعتها من التجربة هي التي تنقلك للخطوة الأخيرة: أن تكتب الفكرة من أول وجديد.
لكنها لن تكون مثل المرة الأولى. لن تُكتب في نصف ساعة؛ ستكون أطول، وحاطط فيها علماً، وحاطط فيها خبرة جرّبتها، وحاطط في اعتبارك التقييمات التي جاءتك من ناس: والله في المنتج هذا كذا، والله الخدمة هذه كذا، والله الفيديو ليس مناسباً وحبّذا لو صار بهذا الشكل. صار عندك Feedback راجع لك من الناس تقدر تبني عليه.
ساعتها تكون دراسة الجدوى مختلفة تماماً، وساعتها تقيّم فعلاً: هل الفكرة تستاهل أن تكون Side Business — مشروعاً جانبياً بجانب وظيفتك أو مشروعك الموجود؟
وحتى لو جاءك الرد بأن حضورك قدام الكاميرا طاغٍ وأنك المفروض تكون صانع محتوى — لا يعني ذلك أن تسيّب كل ما في حياتك وتبدأ تعمل فيديوهات. خلّيها مشروعاً جانبياً بجانب شغلك لمدة فترة وابدأ اشتغل عليها، بناءً على الدراسة التي طلّعتها، وبناءً على وقتك. لأن المشروع لكي ينجح يحتاج وقتاً، ويحتاج أن ينضج مثل الطفل الصغير. ما فيش حاجة تطلع في ساعتين أو ثلاث وتبقى هي دي.
لماذا تخدعك الفكرة الجديدة كل مرة
هذه هي مشكلة التشتت بالضبط: لمّا تكون مبدعاً أو عندك أفكار كثيرة، فأنت تنظر إلى الفكرة وتتخيلها بكامل حاجة حلوة فيها. لا تنظر إلى الحاجات الوحشة، ولا إلى الملل الذي في الموضوع، ولا إلى الحاجات التي ستحبطك وتدوس عليك وأنت شغّال. أنت تتخيل الحاجة الحلوة فقط: أن المشروع نجح، وبقينا نجيب فلوساً، وبقينا مشاهير.
أحمد أمين حكى مرة عن مشروع ورق عمله مع أصحابه — إعادة استخدام الورق وإعادة تدويره — وقال إنهم كانوا يفكرون في ثلاث حاجات: ننجح، ونعمل فلوس، ونتشهر. وهذا بالضبط ما تعمله أنت حين تفكر في أي فكرة جديدة: تتخيل أنها نجحت، وبقيت مشهوراً، وصاروا يستضيفونك، وبقي معك فلوس، وخلاص.
والحماس هذا، والتفكير المشوّش هذا، لا يشوّش على مشروعك الأساسي الذي أنت شغّال فيه فقط — بل يشوّش عليك أنت شخصياً في الفكرة نفسها التي تفكر فيها. فلمّا تنام على الموضوع شوية، وتبدأ تتعلّمه، وتبدأ تجرّبه فعلياً — إن كان مفيداً، فهو مشروعك.
ما فيش فكرة وحشة على فكرة. كل الأفكار حلوة. السؤال الوحيد: هل تقدر تنفّذها أم لا؟
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.



