تخطَّ إلى المحتوى
ERP Expert

خمسة عوامل تقرر نجاح شركتك — والفلوس آخرها لا أولها

أحمد حسن الجمالريادة الأعمال10 دقيقة قراءة

هذا المقال مكتوب من الفيديو أعلاه، «تأسيس شركة : أهم خمس عوامل لنجاح أي شركة - رحلة أول مليون في شركتك»، ومدّته 16:40.

شاهده على يوتيوب ←

جاءني سؤال على فيديو تأسيس شركة في دبي، من شخص ما زال يتعلّم المجال ويفكّر أن يؤسّس شركة فيه، ويسأل: هل هذا المجال هو الأحسن، أم أبحث عن مجال آخر؟

سأجيب إجابة أوسع من سؤاله، لأي أحد يريد أن يؤسّس شركة: كيف يؤسّسها، وما الخطوات التي سيمشي عليها. خمسة عوامل لا بد أن تفكّر فيها قبل أن تبدأ.

من الذي يفتح شركة أصلاً؟

أي شخص يحاول تأسيس شركة يكون غالباً واحداً من ثلاثة.

الأول: صاحب تخصص أو خبرة كبيرة جداً في المجال. مبرمج، أو كان شغّالاً في مجال المصاعد فيفتح شركة مصاعد، أو طبيب فيفتح مركزاً طبياً. هناك تخصصات لا يصلح فيها أن يفتح الشركة أي أحد عابر: العيادة تحتاج طبيباً، والمركز الطبي — لو خلفيتك طبية سيكون الموضوع أفضل لك بكثير.

الثاني: صاحب خبرة في البيع أو علاقات كبيرة في المجال. لم تكن طبيباً، لكنك كنت Medical Rep، أو كنت مديراً إقليمياً أو Commercial Manager في شركة أدوية كبيرة. عندك علاقات واسعة في مجال الدواء والمستلزمات الطبية، فتستطيع أن تؤسّس شركة وتأخذ شغلاً من العلاقات الموجودة عندك بالفعل.

الثالث: صاحب فكرة مميزة. وهذا ما يريده تسعون في المئة من الناس. رأيت احتياجاً معيّناً أو مشكلة موجودة في المجتمع حولك ووجدت أن فكرتك تحلّها، أو رأيتها موجودة في الخارج وتريد أن تنقلها إلى بلدك أو مدينتك أو قريتك، ورأيت أنها ستكون مناسبة جداً هنا وغير منتشرة.

هذه الثلاثة، غالباً، هي ما يبدأ الناس منها. وسؤالك أنت — أنك ما زلت تدرس — يضعك في الجزء الأول: أنت متخصص في شيء وتريد أن تفتح شركة بدل أن تعمله بشكل فردي، فتعمله في كيان.

لكن انتبه: لو أنت ما زلت تتعلّم، فأنت لا تملك الخبرة بعد. لست منذ خمس أو ست سنوات تشتغل في تصميم المواقع لتقول إن معك الـ Edge الخاص بالخبرة أو التخصص. هذا فرق جوهري، وليس تفصيلة.

العامل الأول: المؤسسون

حين تفتح شركة، يُفضّل أن يكون في المؤسسين ثلاث أو أربع صفات مختلفة: واحد بتاع بزنس، وواحد له علاقات وكان موجوداً في المجال قبل ذلك، وواحد له التخصص التقني — سواء مهندس أو طبيب أو غيره.

هذه هي المثالية، وليست شرطاً. قد يكون هناك شخص خارق يجمع بين الاثنين، لكن هذا قليل جداً.

فالنقطة الأولى إذن: فكرة جيدة، تحلّ أزمة أو مشكلة حقيقية على قدر ما تستطيع، مع مؤسسين يقدرون على تنفيذها — تخصص وتشغيل، أو مهارة وعلاقات.

العامل الثاني: المهارات الثلاث

تريد أن تفتح شركة برمجيات. الحقيقة أن المهارة التي تحتاج أن تتعلّمها ليست “هل تعمل برمجيات أم لا”. المهارة أن تعرف أن تعمل ويب سايت، وأن تعرف أن تبيع الويب سايت، وأن تتعامل مع عميل الويب سايت وتعمل له خدمة ما بعد البيع، وأن تقدر أن تجيب عملاء أكثر، وأن تتعامل مع الفريق الذي سيشتغل معك.

المهارات تنقسم إلى ثلاثة:

  1. المنتج أو الخدمة. مهارة إدارية في أن تختار المنتج وتعدّل فيه وتطوّره حتى يحلّ مشكلة العميل الذي أمامك.
  2. العمليات — الـ Process. أنا ممكن أعمل الموقع في ستين يوماً، وممكن أعمله في خمسة عشر يوماً، وممكن أجهّزه على حاجات معيّنة فأبيعه كثيراً. طيب، سأعمل ذلك كيف؟ ما الخطوات التشغيلية التي سأعيّن على أساسها الفريق؟ ما تصميم العمليات داخل شركتك؟ خذ الشحن مثالاً: المندوب يأخذ الشحنة من أين، وكيف يمشي في الـ Route الخاص به؟ هذه حتة تقنية، أضبطها حتى أوصّل الشحنة في ثلاثين دقيقة أو في ساعة أو في نفس اليوم. تشغيلياً، عملياتك داخل الشركة هي التي تحدّد جودة خدمتك ومنتجك.
  3. الفريق.

ولو لم تكن عندك مهارة تصميم العمليات، ابحث عمّن يعملها لك — لكن عليك أن تتعلّمها بنفسك، لأنك مع الوقت ستحتاج تطويراً مستمراً فيها. إما شريك في الشركة عنده هذه المهارة، وغالباً يكون الشخص التقني، وإما استشاري يقدر أن يرسم لك العمليات.

وفي جزء الفريق، تعلّم هذه: كل سنة أو سنتين أنت في شركة جديدة. أنا مررت بفترة كنت وحدي، ثم صرنا في الشركة خمسة عشر واحداً، ثم صارت الشركة في دبي، ثم صارت في مصر ودبي. في كل مرحلة من هذه المراحل أنت شركة جديدة، بتفاصيل جديدة، وبنوعية عملاء مختلفة وأكثر. والتعامل مع فريقك — ومع الناس عموماً، عميل أو عميل محتمل أو شركات تتعامل معها — مختلف في كل مستوى.

العامل الثالث: قدرتك على بناء العلاقات

لو ذهبت إلى مؤتمر ولم أخرج منه باثنين أو ثلاثة نقدر أن نتكلم مع بعض — حتى لو كانوا في نفس سوقي ومنافسين لي، أستفيد منهم ويستفيدون مني ونبني علاقة — فأنا لم أستفد منه.

الـ Network هي تقريباً أهم ما يفرّق صاحب الشركة عن شخص يشتغل في الشركة وعنده Target معيّن يريد تحقيقه.

وانتبه إلى الحالة الوسطى: أنت ممكن تكون موظفاً في شركة وتقوم بدور صاحب الشركة حرفياً. هذه الشركة لن تقدر أن تستغني عنك، لأن عندك علاقات وموارد كثيرة جداً تستطيع أن توفّرها لها، وتقدر أن تُخرج الشركة من أزمات وأن تطوّر فيها بما قد لا يكون صاحبها على دراية به. ابدأ ذلك وأنت موظف الآن — ولما تأتي لتعمل شركتك الخاصة، ستجد هذه الموارد تحت يدك وتريدك أن تكون موجوداً معها.

العامل الرابع: الثبات الانفعالي

وأنت تؤسّس شركة، حرفياً ممكن تجرّب خمسة أو ستة أنواع من العواطف القاسية جداً في اليوم الواحد. تكون مبسوطاً جداً جداً مع عميل أُغلقت صفقته، ثم متضايقاً جداً جداً مع شخص لا تعرف أن تُحصّل منه، ثم طائراً بأحلامك أنك ستفتح فرعاً على القمر، وفي آخر اليوم تفكّر كيف تُغلق الشركة دون أن تُحبس.

لو لم تقدر أن تتعامل مع كل هذه الأحاسيس بداخلك قبل أن تخرج للناس، وتكون متزناً وقرارك غير مرتبط بهذه العواطف، فالموضوع سينتهي.

أنا عرفت شركات كثيرة جداً أُغلقت. منهم شخص قريب مني جداً أغلق شركته لأنه كان خائفاً أن تحصل له في يوم من الأيام مشكلة ضريبية — مع أنه ماشٍ صح. الفكرة استحوذت على دماغه، فلم يعد يعرف أن يشتغل ولا أن يعمل أي شيء: خلاص، أنا سأُحبس بكرة بسبب الضرائب. وهي غير موجودة أصلاً.

وشركات أخرى أُغلقت لأن صاحبها لم يعد يقدر أن يكمل من ناحية صحته النفسية، فذهب واشتغل في وظيفة. وهؤلاء ناس كثيرون أعرفهم، كانوا فاتحين شركات ثم اشتغلوا في وظائف بعدها.

الضغوط ستحصل عليك حتماً، من كل الأطراف حولك. ولو لم يكن عندك الثبات الانفعالي الذي تتعامل به مع هذا بشكل واعٍ وناضج، وتأخذ قرارات تُحيّدها تماماً عن هذه المواقف، فلن تنجح بأي شكل. تجيب استثماراً، تجيب عملاء، تجيب أي حاجة — لن تجد نفسك قادراً على أن تمشي خطوة للأمام. المطلوب هو الهدوء في وسط العواصف، حتى تعرف وجهتك أنت رايح فين.

العامل الخامس: الفلوس

وهذا الذي بدونه لا يكون هناك أي شيء. لكن لاحظ الترتيب: لو أنت محقق النقاط الأربع السابقة، فأنت حرفياً ستعرف كيف تجيب الفلوس.

خليني أحكي لك القصة كما حصلت.

كيف جمعت أول ٢٥ ألفاً

أول ما بدأت موضوع المواقع، لم أكن متخصصاً جداً فيه. فأردت أن أدخل الموضوع بشكل جادّ: دخلت على مستقل وعلى خمسات، ووضعت لنفسي هدفاً أنني أريد أن أفتح شركة برمجيات.

قلت: أنا لا أعرف أن أعمل السوفت وير جيداً، ولا معي فلوس أفتح بها شركة. فوضعت هدفاً: أعمل عشرين موقعاً. ودخلت على المنصات، وأصحابي أقول لهم أنا أعمل مواقع وبسعر جيد. وفعلياً كنت أكسب في الموقع خمسمئة جنيه، أو ألف جنيه، في أول خمسة أو ستة مواقع، ثم صار الرقم أعلى.

من العشرين موقعاً هذه، بعد أن خلّصتهم، كنت واضعاً على جنب ٢٥ ألف جنيه. هذه أرقام حقيقية، وكان هذا هو الـ Target الذي وضعته لأبدأ. وفي هذا الوقت كنت شريكاً في شركة تسويق إلكتروني مع ثلاثة مؤسسين آخرين، وكنا شغالين والدنيا تمام — ثم حصل Drop والشركة أُغلقت.

فقلت: معي السيولة التي تكفي أن أعمل الشركة وحدي، لكن بدل أن تكون تسويقاً إلكترونياً تكون تصميم مواقع. وفعلاً، بالـ ٢٥ ألفاً هذه أخذت مكاناً بسيطاً جداً، مكتبي، وجبت شخصاً للتسويق مع ميزانية إعلانات، وبدأنا نبيع المواقع.

شويّة شويّة الفلوس تخلص ولا يأتي أي عميل. لكن مع الوقت تجد أنك تبني علاقات. وجاءت علاقة: شخص قال لي والله أنا ممكن أوصّلك بأحد يريد تسويقاً وويب سايت. وهذا الشخص كانت عنده المقدرة المالية وعنده الدافع أنه يريد أن يدفع. عملنا معه قصة نجاح جيدة، والحمد لله كان هو الذي أدخل الشركة في أن تُكمل ستة أشهر إلى سنة أخرى.

وهذا هو الثبات الانفعالي بعينه: تخيّل أنك في الصباح تبحث كيف تُغلق الشركة وتحسب الخسارة التي خسرتها، وبالليل قاعد مع شخص يوقّع لك بمبلغ شهري.

المستثمر الذي لم يفهم المجال

بعدها بستة أو سبعة أشهر جاء المستثمر الذي يريد أن يدخل معك. وهذه كانت أول غلطة غلطتها بخصوص الفلوس.

حين تُدخل معك أحداً بفلوس، لا بد على الأقل أن يكون مستوعباً المجال الذي تشتغل فيه. لا يشترط أن يكون هو نفسه مبرمجاً قبل ذلك، لكن أن يكون عارفاً كيف تمشي الدنيا، وفاهماً كيف تسير عمليات شركات البرمجة. وإلا ستجده يضع فلوسه معك وهو فاهم أنه يضعها في محل عصير قصب أو محل هدوم — في مشروع تجاري بحت، لا مشروع خدمي ولا مشروع مبني على التكنولوجيا.

من هنا وضع المبلغ، ثم بعدها قرر أن الموضوع ليس صحيحاً. وكان له مستشار أقنعه: بدل أن تدخل مع أحد، تقدر أن تعمل الشركة وحدك وأنا أمسكها لك كمدير، كموظف بمرتب لا بنسبة. وهذه الشركة فيها غلطات واحد واثنين وثلاثة وأربعة — لكنه للأسف سمع الكلام، وقرر أن يسحب التمويل ويسحب يده من الموضوع.

ساعتها نزلت الشركة تحت الصفر. بعد أن كنت تبني، صرت مديوناً. في يوم وليلة، أو في خلال أسبوع إلى عشرة أيام. (وطبعاً الشركة التي عملها مع مستشاره أُغلقت بعد ستة أشهر، وهذا هو المنطقي والبديهي.)

لماذا كان البناء الثاني أسرع بكثير

فتبدأ تعمل ماذا؟ كنت عملت عشرين موقعاً قبل ذلك، وعملت عشرة أو خمسة عشر موقعاً في فترة الاستثمار. فرجعت أشتغل Freelance من الأول، لأنك تريد أن تجمّع فلوساً من جديد.

لكن هنا كان الاكتشاف. الذي عملته في سنة ونصف — عشرون موقعاً و٢٥ أو ٣٠ ألف جنيه — عملته هذه المرة في شهر أو شهرين. لماذا؟ لأنه صارت عندك علاقات أكثر، ومهارة أعلى، وناس كانت تشتغل معك تستطيع أن تعطيها شغلاً. فبدل أن تعمل موقعاً كل أسبوعين تعمل موقعاً كل يومين. وصار معك سيولة أعلى، لأنك تطلب سعراً أعلى، لأنه صار لك اسم أعلى.

واليوم، وقد مرّت سبع سنوات على هذا الكلام، ممكن أعمل عشرين موقعاً في يومين أو ثلاثة — مواقع بقوالب جاهزة طبعاً، لا المواقع الكبيرة؛ وساعتها لم أكن أشتغل في المواقع الكبيرة أصلاً.

ثم رجعت مكمّلاً في الشركة كأنك لم تقف. لكن حتى تصل إلى هذين الشهرين — أنا أحكيهما لك بهدوء، وكان فيهما شقلبات لو مررت بها لشاب شعرك.

هذه هي فكرة الفلوس: أنك تمشي فيها واحدة واحدة. ليس التمويل دائماً أحسن حاجة، وليس البحث عن مستثمر هو الطريق دائماً. لو دوّرت على مستثمر من أول يوم وسابك في النص وأنت لا تملك المهارة التي تكمل بها وحدك، ستقع ولن تكمل. وهكذا بدأ التطوّر، وبدأت الـ ٢٥ ألفاً تصير ٢٥٠ وهكذا.

قبل أن تبدأ

نصيحتي: ليست الفكرة أن معك التخصص أو معك شيء ما فخلاص ستبدأ. الموضوع أكبر من ذلك بكثير.

كيف تعرف أن تبني علاقات؟ كيف تعرف أن تعمل فلوساً — وهذا غير أن تجيب تمويلاً، والفرق بينهما كبير، والتمويل نفسه واحد من ضمنها؟ كيف تعرف أن تبني عمليات؟ كيف تعرف أن تبني منتجاً أو خدمة يحتاجها الناس فعلاً؟ هل عندك ثبات انفعالي يكفي لتتعامل مع كل المواقف حولك؟ هذه أسس الشركات.

ولاحظ أن الأمر ليس أنك مبرمج أو طبيب فتفتح شركة، وإلا لفتح كل الناس شركات برمجيات أو شركات طبية. هناك ناس دورهم هذا، ويحبون شيئاً معيّناً، وقادرون على عمله. وفريقك لا بد أن يكون فيه تنوّع بين التخصص والمهارة.

ولو معك عشرة ملايين دولار، فليس هذا هو المبرر لأن تفتح الشركة. الفلوس هي آخر حاجة — ولا بد أن تكون تعرف أن تعملها، لا أن تكون ورثتها ولا جبتها من مستثمر. لأنك حين تحصل أزمة، هذه المعرفة وحدها هي التي تُرجعك بسرعة.

EntrepreneurshipBusinessFundingSkills

عن الكاتب

أحمد حسن الجمال

خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.

شاهد أيضاً