تخطَّ إلى المحتوى
ERP Expert

لماذا لا يُوظَّف بعض المهندسين؟ الدقّة تأتي بالتكرار

أحمد حسن الجمالالمسار المهني2 دقائق قراءة

منذ أيام كانت معي مكالمة مع صاحب مصنع نتعامل معه. طلب مني أن أرشّح له مدير إنتاج — مهندساً شاطراً. قلت له: عندي أكثر من مرشّح.

رفضهم كلهم. سألته: لماذا؟

قال: الدقّة. دقّتهم غير مضبوطة. والمصنع حسّاس، ينتج قطعاً لا تحتمل خطأً في المقاس.

كلمة واحدة أنهت الترشيحات كلها. ولاحظ أنه لم يتكلم عن الشهادات، ولا عن سنوات الخبرة المكتوبة في الـ CV. تكلّم عن شيء آخر تماماً.

الدقّة ليست معرفة، بل أثر مُتراكم

عندما تعمل في التصنيع، أو في الإنتاج، أو في أي شيء في الدنيا، فأنت تحتاج إلى الدقّة. والدقّة لا تأتي حين تعرف كيف تُصنع الحاجة. ولا تأتي حين تعملها مرة أو مرتين أو ثلاثاً.

الدقّة تأتي حين تعمل الشيء نفسه مئة مرة. خمسمئة مرة. تعمله كثيراً جداً، بشكل ممل ومتكرر وسخيف. من هذا التكرار السخيف بالذات تخرج الدقّة، وتخرج المهارة، وتخرج الحرفيّة.

ولهذا فإن أكثر ما يُقال عن النجاح مقلوب. لكي تنجح، أنت لا تحتاج أن تكون موهوباً، ولا شاطراً، ولا «مُفتَّحاً»، ولا أياً من هذه الصفات. تحتاج شيئاً واحداً: أن تكون شخصاً مملاً. شخصاً متكرراً. روتينياً.

الفخّ: «خلاص أنا عرفتها»

المشكلة الحقيقية ليست في قلّة الذكاء، بل في الذكاء الذي يملّ بسرعة. وهي تبدو هكذا:

والله أنا سأتعلم هذه. تمام، عرفت كيف تُعمل. سأنتقل إلى غيرها لأعرف كيف تُعمل.

ثم: تعلّمت تحليل البيانات، والله سهلة. تعلّمت بايثون، خلاص تعلّمت بايثون.

هنا أسأل سؤالاً واحداً: منذ متى وأنت تتعلّمه؟ ثلاثة أشهر؟ ستة؟

ستة أشهر وأصبحت Python Developer؟ حسناً — كم مشروعاً أنجزت به؟ كم شهراً اشتغلت به فعلياً؟

لكي تتعلّم شيئاً وتتقنه وتصبح دقيقاً فيه، تحتاج سنوات من التكرار. وإذا أصررت على الستة أشهر، فليكن — لكن اعرف ما الذي تعنيه ستة أشهر حقيقية: أنك لم تكن تنام، وأنك أنجزت فيها عشرة أو خمسة عشر مشروعاً، متشابهة لا في المئة بالمئة بل في السبعين أو الثمانين. أشياء مملة. متكررة.

المكان الذي يهرب منه الجميع

الأمر نفسه ينطبق حرفياً على مجالنا. تنزّل بيئة تجريبية من أودو، ثم تبني الدورة المستندية، ثم ترفع الموردين، فتقول: خلاص تعلّمتها. ماذا سيأتي جديد؟

الجواب: ستأتي دقّتك. ستأتي مهارتك في الشغل.

في المشروع الثالث ستكتشف حالة لم تخطر لك في الأول. وفي الخامس ستكتشف أن الترتيب الذي اتبعته في الرابع كان يُنتج مشكلة بعد ثلاثة أشهر. وفي العاشر ستنظر إلى الشاشة وتعرف الخطأ قبل أن يظهر. هذا هو الفرق الذي يدفع صاحب المصنع ثمنه، وهذا هو الفرق الذي كان يشتكي من غيابه.

ولهذا حين ترى شخصاً يعمل بإتقان فيبدو عمله سهلاً من الخارج، فاعلم أن ما تراه ليس موهبة. إنه أثر آلاف التكرارات التي لم تشاهدها.

الخلاصة

الطريق إلى الإتقان ليس فيه اختصار ذكي، وليس فيه دورة تدريبية تُغني عن العدّاد. فيه عدّاد واحد فقط: كم مرة كررت هذا الشيء؟

كن شخصاً مملاً. متكرراً. روتينياً. هذه هي الوصفة كاملة.

CareerSkillsManufacturing

عن الكاتب

أحمد حسن الجمال

خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.

شاهد أيضاً