أنت فريش جراد وتريد أن تبدأ؟ ابدأ من الثماني ساعات الوسطى
هذا المقال مكتوب من الفيديو أعلاه، «محتاج ايه عشان تبدا ؟ دردشه مهمه جدا | الحلقة الاولى من "كنبة عز"»، ومدّته 12:51.
هذه الحلقة الأولى من «كنبة عز» — برنامج لطيف قررنا أن نعمله عن الأشياء التي تهم الناس في البيزنس وفي مجال العمل عموماً، وكل حلقة موجّهة لفئة مختلفة: من الناس التي ما زالت فريش جراد وبادئة حياتها العملية، حتى الناس التي عندها بيزنس بقي له خمس أو عشر سنوات وتواجه صعاباً فيه.
فلنبدأ بأول الطريق: أنا متخرّج للتو، أو أمامي سنة أو سنتان وأتخرّج وأريد أن أجهّز نفسي. داخلٌ على المعترك وأبدأ الكارير بتاعي — أعمل ماذا؟
الموضوع له شقّان، وهما مختلفان تماماً: شقّ وأنت ما زلت في الكلية، وشقّ بعد ما تتخرّج.
الشق الأول: وأنت ما زلت أندر جراد
أنت مطالب بأن تبذل مجهوداً في الكورسات، وتتعلم المهارات حسب ما تريده أنت. والبيسكس التي قالوها لنا زمان ما زالت valid: لا بد أن تكون عندك مهارات الكمبيوتر، ولا بد أن تزيد عليها اليوم الـ AI، ولا بد أن تكون عارفاً كيف تصل إلى المعلومة.
ثم اللغات التي تحتاجها في الكارير. الإنجليزية أساسية. ولو أنت تريد أن تشتغل في ألمانيا فادرس الألمانية وأنت في الجامعة — أو الإسبانية أو الإيطالية أو أياً كانت اللغة التي يحتاجها الطريق الذي تراه أمامك.
لا تُضيّع الصيف
الثلاثة أو الأربعة شهور بتوع الصيف هذه لا يصح أن تضيّعها. لا بد أن تكون في شركة تعمل انترنشيب، أو تعمل بروجكت، أو تعمل أساينمنتس مع الكورسات التي تدرسها.
لو أنت تريد أن تنجح من بدري، أو تريد أن تكون شيئاً تحلم به وعندك طموح، فلا بد أن تكون بادئاً وأنت ما زلت أندر جراد.
رفاهية الوقت والتجربة والخطأ
وهذه هي النقطة التي يفوّتها معظم الناس.
حين تصل إلى مرحلة معينة في الكارير، وتكون عليك مسؤوليات خارج الشغل، لا تعود عندك رفاهية التجربة والخطأ كثيراً. أنا اليوم لا أستطيع أن أقول لك: والله ممكن أفكّر أن أكون فوتوجرافر. في النهاية تجد نفسك مسؤولاً عن شركة، أو عن تيم، أو عن بيت.
وبعد ما تبدأ حياتك العملية وتدخل المجال، الرفاهية ما زالت موجودة — لكنها صارت محدودة.
أما وأنت في المدرسة أو في الكلية، فالرفاهية هذه إلى أبعد حدود. تستطيع حرفياً أن تجرّب أن تشتغل أوفيس بوي، أو تشتغل في مطعم، أو تشتغل أي شيء أياً كان. الحاجة التي تستطيع أن تجرّبها وأنت أندر جراد لن تعرف تعملها بعد الكلية.
بعد الكلية خلاص: أنت محتاج أن تأخذ سلكاً وظيفياً وتشتغل عليه، لأن كل سنة بعد التخرّج ستكون محسوبة عليك. لما تروح إنترفيو سيقال لك: أنت لك ثلاث سنوات متخرّج، عملت ماذا في الثلاث سنوات هذه — بالضبط؟
جرّب كل شيء قبل أن تُغلَق الباب
فقبل أن تتخرّج، جرّب كل شيء تستطيع أن تعمله. اتعلّم برمجة. اتعلّم تسويقاً. اشتغل بيديك في التجارة وهات حاجات وتاجر فيها. اعمل تصنيعاً وصنّع هوديز والحاجات اللطيفة هذه.
وستخرج من الكلية ومعك أمران. الأول: كمّ خبرات وتعاملات في مجالات مختلفة — تكون قد تعاملت مع مورّد، ومع زبون، ومع مدير، ومع فلوس دخلت وخرجت، وهذه كلها أشياء لا تُدرَّس. والثاني — وهو الأهم — أنك ستكون عارفاً أنت مائل إلى ماذا، وتحب أن تشتغل في ماذا.
ساعتها تستطيع أن تستخدم كليتك لتكمّل في نفس السلك الذي درسته، أو تعمل كارير شيفت وأنت عارف أنك رايح على ماذا، وأن هذا فعلاً هو الشيء الذي ستُبدع فيه وستحبه. ليس مئة بالمئة — لكن إلى حد ما، وستكون أحسن بكثير من الشخص الذي قضى الكلية في الكافيتيريا.
الشق الثاني: أول أربعة شهور في الوظيفة — كن إسفنجة
الفريش جراد قصة مختلفة تماماً. هو محتاج أن يكون محدّداً: هو يريد ماذا؟ محتاج مثلاً أن يكون قد انضم لشركة كان يحلم بالوظيفة فيها.
ومحتاج ألا يفكّر في الفلوس في أول حياته خالص. أول سنة، سنتين، ثلاثة كحد أدنى — لا تفكّر في الفلوس. فكّر في: أنت تعمل ماذا؟ التايتل بتاعك ماذا؟ الجوب ديسكربشن ماذا؟
ومجرّد ما تمضي الأوفر وتشتغل، المطلوب منك في أول ثلاثة أو أربعة شهور كحد أدنى أن تكون سبونج — سفنجة. لا تقل رأيك في أي شيء. بالبلدي: اشترِ ولا تبع. اشترِ ولا تبع خالص.
والقاعدة هذه ليست تقليلاً من قيمتك ولا طلباً بأن تصمت للأبد. هي أنك في أول أربعة شهور لا تملك المعلومات التي تجعل رأيك يساوي شيئاً. أنت ترى الشغل من زاوية واحدة ضيقة، وكل رأي تقوله من هذه الزاوية سيُحسب عليك لا لك. فاشترِ أولاً — اجمع — وحين تكون قد فهمت الصورة، ساعتها بِع.
الأشياء التي تفهمها وأنت ساكت
افهم السرعة والفيلوسيتي التي تمشي بها الشركة. افهم البوليتكس بتاعتها عاملة كيف، ومراكز القوة فيها، ومراكز الضعف، والشلل التي بداخلها، وكل الحاجات الدواخل.
وافهم البيزنس نفسه عامل كيف: ما هو الـ business process، ومَن الذي قبلك في السايكل يعمل ماذا، ومَن الذي بعدك يعمل ماذا.
وافهم مديرك ماشٍ بأي موديل: هل هو مايكرو مانجر أم ماكرو مانجر؟ وهل هو ريزلت أورينتد؟
افهم الحاجات البسيطة هذه كلها أولاً — وبعدها تفرض سيطرتك أنت.
وهي حاجات ستبدو بسيطة مع الوقت. لكنها بالنسبة لواحد ما زال متخرجاً حديثاً ليست بسيطة أبداً: «يا عم إيه الماكرو والمايكرو والحاجات دي؟» صدّقني، مع الوقت ستجد نفسك تراها بسيطة.
الثماني ساعات التي في النص
عمرك في يومك عبارة عن ثلاث ثمانيات: ثماني ساعات تشتغلها، وثماني ساعات تنامها — والثماني ساعات التي في النص هي التي تفرق.
هي التي تحدّد: أنت influencer أم executor؟ أنت من الثمانين بالمئة أم من العشرين؟ أنت ناجح أم عادي؟
جئتَ الآن فوجدتني أعمل ماذا؟ أذاكر. أذاكر عادي. وكم سنة خبرة؟ ستة عشر سنة تقريباً في مجالات كثيرة مختلفة — ومع ذلك نذاكر، وسنظل نذاكر، وما زلنا لم نعمل شيئاً.
هذه هي المايند ستيت بتاعة أي حد يريد أن ينجح، ويريد أن يكون حاجة، ويريد أن ينظر لقدّام. الحاجات التي تحصل حواليك لا تدعها تؤثر عليك ولا تؤثر على الموتيف. وهذا الذي سمّوه في العلم — والكلام ليس جديداً بصراحة — self-motivation: كيف تكون في ظروف كلها حواليك تحاربك، وأنت لا تنظر إلى الجانب الوحش فقط، بل تنظر دائماً لنصف الكوباية المليان، وتنظر لقدّام: أنا سأعدّي الحواجز.
والمعادلة في النهاية بسيطة وقاسية في نفس الوقت: أنت تحدّد أنت تريد ماذا، وعلى قدر ما تبذل مجهوداً على قدر ما يكرمك ربنا وتصل إلى الذي أنت فيه. لا توجد نسخة من هذا الكلام تُنجزك بمجهود أقل.
قاعدة ٨٠ / ٢٠ — وأين تقف منها
نسبة باريتو. الفكرة المشهورة أن عشرين بالمئة من الناس يملكون ثمانين بالمئة من الثروة. وبعدها جاءوا بنسبة ٩٥ / ٥، ثم ٩٩ / ١، وبدأوا يعدّلون عليها. لكن الأساس بتاعها ثابت:
ثمانون بالمئة من إنجازاتك التي ستصل إليها في حياتك ستحققها من خلال استغلال عشرين بالمئة من وقتك.
قد تكون الثماني ساعات، أو الأربع ساعات، أو ساعة الصبح. المهم أنها الساعات التي تشتغل فيها على نفسك وأنت غير ملزم بها — لا بشغل، ولا بتارجت تبع الشغل، ولا بدراسة جامعية. هي حاجات إكسترا تعملها في حياتك الشخصية توصّلك إلى مرحلة مختلفة عن الناس الذين معك.
أنت طالب هندسة، أو طالب أي شيء، فأنت في دفعة فيها ألفان أو ثلاثة آلاف واحد مثلك. كلكم تدرسون نفس المواد، وتدخلون نفس الامتحان، وتتخرّجون في نفس اليوم. فالمادة العلمية لن تفرّقك عن أحد — هي المشترك بينكم، لا الميزة. الـ ٢٠٪ المميزون هم الذين يستخدمون وقتهم المختلف — الساعة الزيادة هذه — في أن يتعلموا شيئاً مختلفاً.
مثال طالب الحاسبات
كم واحد من دفعته اشتغل بارت تايم وهو في الكلية؟ لو الدفعة ألف، ستجد ثلاثمئة مثلاً اشتغلوا بارت تايم.
طيب كم واحد اشتغل بارت تايم ووصل لليفل صار فيه يشتغل فريلانس والساعة بتاعته بكذا؟ ستجدهم خمسة أو ستة بالمئة.
كيف وصل إلى هذا؟ بخطوتين لا ثالثة لهما:
- طوّر مهاراته في وقت فراغه خارج المواد العلمية التي يدرسها في الكلية، بشكل مختلف عن زملائه.
- دوّر على شغل وبدأ يشتغل فعلاً، فاكتسب مهارة عملية في الوقت الذي هو غير ملزم به.
ولو لم يعمل هذا في فترة الكلية، ما كان أحد ليقول له: أنت فاشل. لكنه عمله، فطوّر مهاراته بشكل أكبر بكثير جداً، حتى وصل لمرحلة صارت الكواليتي بتاعته فيها أعلى من كواليتي الناس المتخرجين تلك السنة، بل ومن كواليتي مَن عندهم خبرة سنتين أو ثلاثة.
فعلى قدر ما تستطيع أن تستغل وقتك الذي خارج الالتزامات التي عليك، على قدر ما ستطلع لنسبة المميزين الذين هم الـ ٢٠٪، أو الأكثر تميّزاً الذين هم الـ ٥٪، أو الإليت والتوب نوتش الذين هم الـ ١٪.
نفس القاعدة على مصروفك
وهذه مجرّبة على الصعيد الشخصي: عشرون بالمئة من حاجاتك تصرف عليها ثمانين بالمئة من فلوسك.
وأنت رايح السوبر ماركت ستجيب مئة حاجة — والحاجات التي تدفع فيها فلوساً كثيرة عددها قليل. الموبايل واللاب توب: مبالغ كبيرة جداً وعددها قليل. والخضار واللحمة ومستلزمات البيت: كثيرة جداً في العدد، وأقل بكثير في الفلوس.
ونفس القاعدة داخل الشركة
طبّق النظرية داخل أي شركة تشتغل فيها: عشرون بالمئة من الناس يساوي مجهودهم ثمانين بالمئة من الريزلتس التي تخرج من الشركة.
ولهذا الـ HR عنده دائماً تصنيف للناس. تختلف المسميات من شركة لشركة — international talent و local talent، أو influencer و executor — لكنها نفس المعنى. هناك واحد لما يقول للشركة مع السلامة تقول له: لا، لن نقعد لو أنت ماشٍ. وهناك ناس آخرون تقول لهم الشركة مع السلامة قبل أن يقولوها هم.
والتصنيف هذا ليس ورقة معلّقة على الحائط لتقرأها. هو موجود، وهو يُراجَع، وهو الذي يقرّر مَن تُمسك به الشركة في أزمة ومَن تستغني عنه أول ما تضيق. وأنت لا تراه، لكنك تعيش نتيجته.
مَن الذي يصنّفك؟
دائماً هناك ٨٠٪ وهناك ٢٠٪. والذي يحدّدهم هو قرارك أنت، ليس أحداً غيرك. الشركة لا تصنّف أحداً — أنت الذي تصنّف نفسك.
أنت موظف رايح الشغل وجايب الشغل، والثماني ساعات التي في النص تقعدها مع أصحابك على القهوة، والويك إند تقضيه نائماً. خلاص، براحتك. لكن في غيرك كثير. ويوم ما تمشي، في غيرك كثير في الماركت.
والعالم الآن تنافسي، وفيه أزمات اقتصادية وحروب. ولهذا في تحليل PEST أول حاجة فيه هي الـ Political، ثم الاقتصادي وبقية العوامل. الشركات اليوم عندها أزمات مالية، ومشاكل في الشحن، ومشاكل كثيرة، والمنافسة عالية جداً. فلو أنت لست شغالاً على نفسك، فمن الطبيعي جداً أن تكون في الثمانين بالمئة.
العالم كله ثمانون بالمئة، ما عدا عشرين بالمئة هم الذين اختاروا. هؤلاء هم الكريمة. يبذلون مجهوداً ليصلوا — ليست حظاً ولا فهلوة؛ هي مجهود، وفي الآخِر توفيق من الله سبحانه وتعالى.
وفي الحلقة القادمة
الكلام هنا عام، ويصلح لأي فريش جراد في أي مجال. والحلقة القادمة ستكون أكثر تحديداً: لو أنت فريش جراد ورايح تشتغل في مجال تقني — SAP أو خلافه — فكيف تدخل إلى المجال هذا بالذات؟
ولو أنت فريش جراد أو ما زلت في الكلية وعندك سؤال تريد أن نناقشه على كنبة عز — اسأله، وسنشوفه معك في الحلقة الجاية.
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.






