لماذا لا تبني شركات البرمجيات من الصفر؟ التكلفة المخفية
صناعة البرمجيات مثلها مثل أي صناعة في الدنيا. أمامك طريقان لا ثالث لهما:
إما أن أعمل هذا البرنامج فأُحمّل تكلفته بالكامل على العميل. وإما أن أعمل هذا البرنامج وأُعيد بيعه كذا مرة، بأقل تكلفة موجودة.
وهنا يقع الفخّ الذي يقع فيه أي شخص لا يزال مبتدئاً، أو خبرته ليست كبيرة في مجال البرمجيات: أن يحسب تكلفة البرنامج على أنها تكلفة تصنيع البرنامج — أن تكتب البرنامج نفسه.
نوعان من التكاليف لن تحسبهما في الأول
عندك نوعان آخران من التكاليف لن تحسبهما في البداية. وأنا أقول هذا بناء على خبرة، وبناء على أنني جرّبت هذا قبل كده.
تكلفة التشغيل. وهي كبيرة جداً، وبالذات لما تكون على عدد عملاء كبير.
تكلفة الصيانة. وكذلك لما يكون على عدد عملاء كبير، وطول الوقت لا بد أن تكون تعمل صيانة للسيستم بتاعك.
الطريق الأول: أن تدخل السوق وأنت تعرف أنك ستخسر سنوات
لنفترض أنك تريد أن تعمل برنامج HR وتُصنّعه. أنت ستدخل في منافسة مع BambooHR، وستدخل في منافسة مع Odoo، وستدخل في منافسة مع حاجات ثانية.
فبالتالي أنت مضطر أن تقلّل سعرك في الأول. وتكلفة التشغيل هذه ستحاول أن تتحمّلها أنت في الأول. وستطلع Free Trials، وستعمل حاجات مختلفة.
فيكون هذا موديلاً مختلفاً: أن تجيب مثلاً استثماراً أو تمويلاً، وتبدأ تعمل السوفت وير بتاعك وتشتغل عليه، بحيث أنك عارف أنك ستخسر ثلاث أو أربع سنين قبل أن تبدأ تكسب من ورائه أي حاجة. ثم يبدأ يحصل معك الـ Exponential Growth بعد ذلك.
وهذه طريقة كويسة جداً في الشغل، على فكرة. لكنها طريقة بشروطها، ومن يدخلها بغير تمويل وبغير نفس طويل، يقف في السنة الأولى.
الطريق الثاني: لا تخترع العجلة
الطريقة الثانية أن تشتغل ولا تخترع العجلة. لأنه لا يوجد عميل يقدر أن يتحمّل تكلفة حاجة معمولة من الصفر ويشيل التكلفة بالكامل.
فبالتالي أنت محتاج ألّا تخترع العجلة من الأول، وفي نفس الوقت تعطي للعميل تكلفة كويسة.
وماذا يحصل في هذا؟ أنك تروح لشركة كبيرة مثل Microsoft عاملة ERP قوياً. وتروح لشركة مثل Odoo عاملة ERP قوياً. وتروح لـ BambooHR. تروح للحاجات هذه كلها وترشّحها للناس، ويكون دورك فيها Customization، ويكون دورك فيها Development — تبني على الموجود Standard، على الموجود فعلياً.
وهذا — على فكرة — يكون مكلفاً، ويأخذ وقتاً، ويأخذ تفاصيل كثيرة جداً، وأنت لست بادئاً من الصفر. فتخيّل لو كنت بادئاً من الصفر.
الوهم الذي يقع فيه 99%
الدراما، أو الخدعة التي تحصل، هي التصور القائل: أنا Software House، فأنا أقدر أن أبني برامج كثيرة من الصفر، أو أبني برنامجي من الصفر — وأن أشتغل على حاجة جاهزة يُعيب فيّ.
وهذا يقع فيه 99% ممن هم خارج مجال التكنولوجي، أو من هو لسه متخرّج، أو من خبرته ليست كبيرة. لأنه فعلاً لا يحسب 70 أو 80% من التكلفة الفعلية الموجودة في البرنامج. يحسب أنه سيعمل الكود بالطريقة الفلانية، والـ AI سيساعده أن يعمل الكود، وغير ذلك.
هو لا يعرف التفاصيل التي بجانب الكود. المصاريف التشغيلية هذه وحدها ممكن تكون 50 أو 60% من التكلفة الإجمالية. وتكلفة الكود نفسه ممكن تكون 5% من التكلفة الإجمالية.
وهذا الرقم وحده يشرح كل شيء. لو أن الكود 5%، فحتى لو كتبته كله مجاناً — ضاعفت سرعتك، أو استعنت بالـ AI، أو وجدت من يبنيه لك بلا مقابل — تكون قد وفّرت خمسة في المئة من مشروعك. والـ 95% الباقية لا يوفّرها لك أحد: تشغيل، وصيانة، ودعم، وسنوات.
فحين تسمع أن شركة برمجيات لم تبنِ لك النظام من الصفر، اعرف أنها لم تكسل. هي فقط حسبت الـ 95% الباقية.
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.



