آخر ما في جيبي: مواصلات إلى العميل أم أكل هذا اليوم؟
يجي يكلّمني عميل عايز ميتنج.
وكنت قد عملت اجتماعات كثيرة قبلها، وما فيش أي نتيجة منها. ولا واحد أقفل.
والوضع كان كالآتي: الفلوس التي معي تكفي إمّا المواصلات، وإمّا الأكل خلال هذا اليوم لحد ما أرجع على مصر ثاني يوم. واحدة منهما فقط.
الحسبة التي كانت في رأسي
طب ما هو مش أكيد إني أقفل العميل. مش أكيد إني أتعاقد.
طب أنا دلوقتي هقعد لغاية بكره من غير أكل؟ الوضع صعب.
وهذه هي اللحظة التي تُختبر فيها فعلاً. ليس لأن القرار كبير — هو قرار بثمن مواصلات — بل لأن كل شيء في رأسك يقول لك إن الاحتمال ضعيف، والدليل معك: اجتماعات كثيرة قبلها لم يخرج منها شيء.
والأصعب أن الحسبة السلبية هنا تبدو حكيمة. أن تقول «لن أضيّع آخر ما معي على احتمال بعيد» يبدو كلاماً عاقلاً، لا جُبناً. ولهذا بالذات يخسر الناس فرصهم وهم مقتنعون بأنهم يتصرّفون بمسؤولية.
المهم، قررت إني أروح
رحت للعميل. نازل من عنده بعد ثلاث ساعات تقريباً.
مع أنه كان جايب شركتين ثانيتين أصلاً وبيقارن ما بينهم. يعني أنا لم أكن الخيار الوحيد ولا كنت الأقرب؛ كنت واحداً من ثلاثة على الطاولة.
والحمد لله، والعميل شيك، ونزلت في الآخر وتعاقد معنا بعقد بـ ١٥ ألف درهم، بعربون — مش عارف كان ٣٠٠٠ أو ٤٠٠٠ درهم.
الوضع اختلف تماماً. والعربون وحده — قبل باقي العقد — كان يساوي أضعاف كل ما كنت أحسبه في الصباح.
ما الذي كان سيحدث لو لم أذهب
كان السؤال المطروح ساعتها: هل أقدّم تذكرتي وأرجع، ولا أكمّل في البلد الثلاثة أسابيع الباقية — أو الأسبوعين الباقيين؟
الاجتماعات التي كنت أحملها كانت كثيرة، وما كانش فيها أي حد بيقفل منها. فالمنطق كله كان يقول: خلاص، قدّم التذكرة وارجع.
ولهذا لا أحكي هذه القصة على أنها عن الشجاعة. هي عن أن العائد لا يوزَّع بالتساوي على المحاولات. عشرون اجتماعاً لا تعطي شيئاً، والحادي والعشرون يغيّر الشهر كله. وأنت لا تعرف أبداً — أبداً — أي واحد منها هو الحادي والعشرون.
ولذلك فإن أخطر ما يفعله الفشل المتكرر ليس أنه يتعبك، بل أنه يعلّمك قاعدة غلط: أن الاجتماع القادم مثل الذي قبله. وهي قاعدة تبدو مدعومة بالبيانات، وهي في الحقيقة استنتاج من عيّنة لا تكفي.
الشيء الوحيد الذي تملكه أنك تكون في الغرفة.
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.



