سنوات الجامعة ليست للكود وحده: الجزء الذي يغفله الطلبة
هذا المقال مكتوب من الفيديو أعلاه، «جزء مهم من حياتك الجامعية الطلبة بتغفل عنه و هيؤثر على مستقبلك - استغل الفرصة!»، ومدّته 6:03.
جاءني سؤال من شاب ما زال في الجامعة. يريد أن يأتي إلى الإمارات ويدوّر على شغل بعد أن يخلّص الجامعة، ويسأل: كيف أتصرّف خلال الفترة التي أنا فيها الآن؟
السؤال هذا يأتي كثيراً. لكن الذي شدّني فيه شيء آخر تماماً.
الشاب الذي فعل كل شيء صح
هو مبرمج، ومركّز جداً في مكان واحد: يشتغل على البرمجة ولغات البرمجة، ويدخل على Upwork، ويطلع بطريقة ما ليشتغل Freelance. مركّز جداً، ومسعّر الساعة عنده بسعر جيد، ويشتغل Professional بكل معنى الكلمة.
أنا انبهرت بالطريقة. ثم سألته سؤالاً بسيطاً: وأنت تعمل ماذا بجانب هذا الكلام؟
فكانت الإجابة: أنا مركّز في شغلي، مركّز في كذا وكذا، وأريد أول ما أتخرّج أن أدوّر على شغل في الإمارات — فهل ألاقي أم لا؟
نعم، ستلاقي. لكن الفكرة ليست هنا.
ستجد شغلاً، لكنك لن تنجح النجاح الباهر
هذه مشكلة كبيرة جداً عند المبرمجين — وليس عند المبرمجين وحدهم على فكرة. أي شخص صنايعي، أي شخص يعرف يشتغل شغلانة معيّنة ويبقى مركّزاً فيها هي فقط، تصير حياته إلى حد كبير هي هذه الشغلانة.
ومعظم المبرمجين، ومعظم الصنايعية، لا يعرفون يتعاملون مع الناس. فتجد عنده مشكلة في التواصل مع العملاء، أو التواصل مع الفريق الذي يشتغل معه.
المبرمج الناجح والمبرمج الشاطر هو الذي يعرف يشتغل في فريق بشكل جيد. هو الذي يعرف يندمج وسط مجموعات مختلفة عنه وثقافات مختلفة عنه. وهذا بالذات ما ستجده هنا في الإمارات: ستجد هنوداً، وستجد روساً، وستجد أوكرانيين، وستجد من مصر نفسها ناساً من أماكن مختلفة، ومن الوطن العربي — من سوريا وغيرها.
هذه المجموعات المختلفة، لو لم تعرف أن تندمج معها، وأن تدخل في حياتهم ويدخلوا في حياتك، ستتعب جداً. ليس في دبي فقط — في أي مكان خارج مصر، وداخل مصر نفسها. لو دخلت في شركة ولم تعرف أن تندمج داخلها، والله لو كنت أشطر واحد ستُعزل، وسترجع قاعداً وحدك أو شغّالاً وحدك، ولن تعرف أن تكبر في الـ Career.
وانتبه إلى الترتيب هنا: العزلة لا تأتي لأنك سيئ في شغلك، بل لأنك جيد فيه فقط. الشركة تعطي الشغل الأصعب لمن يعرف يشتغل، وتعطي الترقية لمن تعرف أن تتفاهم معه وتضعه أمام العميل وأمام الفريق. فتظل أنت في مكانك تكتب كوداً أحسن كل سنة، ويصعد غيرك.
لماذا التجارب المختلفة تحديداً؟
فترة الجامعة هي الفترة التي لازم تجرّب فيها أشياء كثيرة جداً.
أنا أذكر أيام الجامعة، كنت أشتغل أشياء كثيرة جداً وأعمل أشياء كثيرة جداً. أروح مسرح، وأروح أغنّي، وأروح أرسم.
طيب لماذا تعمل هذه الأشياء المختلفة كلها؟ لأن كل واحدة منها تدخلك في دوائر ناس مختلفة عنك، مختلفة عن تفكيرك. وليس شرطاً أن تندم عليها أو أن تمشي معهم في الطريق كله — لكنها في النهاية تجربة مختلفة، وفي النهاية ستجعلك تعرف أن تتعامل وتفهم الدنيا بشكل أحسن.
لاحظ أن الفائدة ليست في النشاط نفسه. المسرح لن يعلّمك شيئاً عن البرمجة، والرسم لن يضيف سطراً إلى الـ CV. الفائدة في الناس الذين ستقابلهم داخل النشاط: أناس يفكرون بطريقة لم تخطر لك، ويقيسون النجاح بمقاييس غير مقاييسك، ويختلفون معك ويظلون في نفس الغرفة معك. وهذه بالضبط هي مهارة الشغل داخل فريق، لكنك تتعلمها في مكان لا يكلّفك شيئاً إن أخطأت فيه.
فلو أنت مهتم فعلاً بالـ Career عندك، حاول على قدر ما تستطيع أن تفتح مداركك بأشياء مختلفة.
أنشطة مختلفة، لا نشاطاً واحداً
تحب الرسم؟ ارسم. رسمك وحش جداً؟ لا مشكلة، كلنا نعرف ذلك. غنِّ. اقرأ قرآناً. اعزف آلة. تعلّم سواقة الدراجات والموتوسيكلات. العب شطرنج. روح العب بلياردو. ادخل مسابقات بينج بونج. ادخل في أنشطة خيرية، وانزل الأماكن الفقيرة ووزّع أكلاً واعمل إطعاماً.
اعمل أنشطة مختلفة، وليس نشاطاً واحداً مختلفاً عمّا أنت فيه. المسألة ليست أن تضيف هواية إلى سيرتك، بل أن تدخل أكثر من باب.
وأنت لن تصير محترفاً في أي منها، ولن تأكل عيشاً من ورائها. أنت فقط تضع نفسك في تجارب مختلفة.
وهذا الشرط تحديداً هو ما يجعلها مفيدة. أنت معتاد أن تقيس كل ساعة تقضيها: هذه التقنية سأشتغل بها، وهذا الكورس سيرفع سعر ساعتي. هنا لا يوجد عائد تقيسه، ولهذا تدخلها بلا خوف من الفشل — وتتعلم فيها أشياء لا تُدرَّس أصلاً: كيف تتصرف وأنت لا تعرف، وكيف تكون أسوأ واحد في الغرفة وتكمل.
الجامعة هي آخر وقت تملك فيه هذا
وقت الجامعة أنت مشغول أربعاً وعشرين ساعة، مشغول أكثر مما ستكون بعد الجامعة. لكنك مشغول في أشياء لن تعرف أن تعملها بعد ذلك. لن تعرف أن تعملها وأنت متزوج، ولا وأنت خلّفت، ولا وعندك مسؤوليات كثيرة.
وقت الجامعة هو الوقت الذي تدخل فيه في تجارب مختلفة كثيرة جداً، وستساعدك بعد ذلك حتى لو لم تشتغل بها أبداً.
والفرق أن كلفة التجربة الآن شبه صفر. لا أحد ينتظر منك دخلاً، ولا أحد يحاسبك على شهر ضائع. بعد الجامعة، ولما تأتي المسؤوليات، كل ساعة ستكون محسوبة بمقابل، وأي شيء لا يدرّ عائداً سيبدو لك ترفاً لا تقدر عليه. الأشياء التي تؤجّلها الآن لا تؤجَّل، هي تُلغى.
التأليف والكتابة: ألّف واكتب، اكتب شعراً، اعمل أي شيء. أنا عندي بعض القصائد كتبتها. ليست وصمة عار — في فترة من الفترات كنت أكتب شعراً، وأنت طبعاً عارف أنك لن تطلع شاعراً ولن تطلع شيئاً. لكنك في النهاية تحاول أن تدخل داخل التجربة وتعيشها وتستفيد منها. وأنا استفدت: لم أستفد من القصائد التي كتبتها، استفدت من التجربة نفسها ومن المرحلة التي مشيت فيها وأنا أكتبها.
أين الخط الفاصل؟
الشباب مثلاً يحبون الـ Skating. لو أنت شاب ولا تعرف تعمل Skating فشبابك ضاع يا باشا — تسعون في المئة من الشباب تحت العشرين يلعبونه في وسط البلد وغيرها. ادخل في هذه الدائرة، ليس عيباً.
لكن بشرط: ألّا تكون هي التي تضيّع وقتك، ولا تكون هي الحاجة الكبيرة التي تعملها في حياتك. الحاجة الكبيرة التي تعملها في حياتك هي مستقبلك والذي تشتغل عليه. وهذه أشياء بجانبها، تدعم ذلك المستقبل، وتجعلك أحسن وأقوى وأشطر فيه، وفي أي سوق تدخل تنافس فيه تنجح إن شاء الله.
فالإجابة على السؤال: هل ستقدر أن تلاقي شغلاً في الإمارات بعد التخرج؟ بالـ CV الذي تطلعه، وبالاهتمام بالكود عندك وبالبرمجة، ستقدر. لكنك لن تنجح النجاح الباهر وأنت مركّز على الكود فقط، ومركّز على “ساعتي بكم دولار”، وعلى كم تقنية أعرف أشتغل عليها.
لن تنجح إلا وأنت إنسان فعلاً: لك مشاعر، ولك تجارب، ولك حياة. حين يدخل أحد في حياتك أو تدخل أنت في حياة أحد، ستجد كمية خبرات مختلفة، وسينبهر: أنت كيف تعمل كذا وكذا؟ لأنك جرّبت وعشت الحياة فعلاً، لا عائشاً فقط أمام اللاب توب تتكلم مع ChatGPT، وتحاول أن تحل مشكلة، وتكلّم العميل في التاسك بتاعته وتسلّمها له.
وهذه أهم حاجة لتنجح في دبي، وتنجح في مصر، وتنجح في أي مكان في العالم. تنجح في حياتك، وفي زواجك، وفي تربيتك لأولادك. أولادك حين يكبرون، وأنت تكون قد جرّبت هذه الأشياء من قبل، ستعرف أن تتعامل معهم.
عن الكاتب
أحمد حسن الجمال
خبرة تتجاوز 15 سنة في قيادة التحول الرقمي بالإمارات والسعودية ومصر، وأكثر من 60 مشروع ERP — من داخل غرفة التنفيذ، لا من العرض التقديمي.






