يقولون إن الشيطان يكمن في التفاصيل، لكن في عالم الـ ERP، الشيطان يكمن أحياناً في (وصلة USB) لطابعة باركود كانت تعمل أيام الملك، ويصر صاحب المصنع أنها 'زي الفل' ومازالت في عز شبابها.
يجلس الاستشاري في الطائرة، يراجع ملفات “مصنع المفروشات” الكبير، يحلم بنظام يربط المصنع بالمحلات بمنصة التجارة الإلكترونية.. سيمفونية من البيانات الرقمية! لكنه لا يعلم أن “المايسترو” (صاحب الحلال) يخبئ له مفاجآت لا توجد في أي كتاب إدارة.
فخ "كل شيء تمام"
بدأ الأمر بكلمات معسولة في مرحلة التعاقد: “يا باشمهندس، الموظفين موجودين، والسيستم بتاعكم، انتوا اللي فاهمين واحنا اول مره نستخدم سيستم، والكلمة كلمتكم!”. وقعنا في الفخ الكلاسيكي؛ تعاملنا مع “الوعود” وكأنها “موارد بشرية”. دخلنا المشروع بقلب مفتوح، لنتفاجأ بأننا لسنا “قادة التحول”، بل “منفذين لأوامر” تأتي في منتصف الليل لتغيير خطة المشروع لأسباب مختلفة مثل إدارة المول طلبت كذا و المحاسب في أجازة ولا يوجد بديل والخ الخ.
متلازمة "الإدارة بالحب"
بعد شهرين من السفر والترحال، استيقظ العميل فجأة ليصرخ: “أين السيستم؟ لماذا لم ننتهِ؟”. حاولنا إيضاح أن “السيستم” ليس عصا سحرية، بل هو انعكاس لواقع منظم. جلسنا معه، “فصصنا” له البيزنس قطعة قطعة، واكتشفنا أن الأمور تدار “بالحب” والبركة، لا حوكمة ولا رقابة. قلنا له بوضوح: “تحتاج 5 موظفين على الأقل لإدارة هذه الإمبراطورية”.
كان الرد صادماً: “5 موظفين؟! كثير جداً.. سأعطي المهام لـ (فلان) موظف المحل”. (فلان) هذا هو نفسه الذي كان يهمس لنا في الممرات باكياً من ضغط العمل ويرجو منا ألا نحمله فوق طاقته!
"فوبيا" النظام الكبير
هنا تظهر الخصلة التي تدمر أعظم الشركات: “الحرص الزائد” الذي ينقلب إلى بخل استراتيجي. العميل يمتلك مصنعاً ومحلات، وهو “متأخر” سنوات عن استخدام التكنولوجيا، ومع ذلك يرتجف كلما رأى النظام يعمل.. ليس خوفاً من التعقيد، بل خوفاً من “التكلفة” ومن أن السيستم “أكبر من حجمه الحالي”. يريد أن يصبح “أمازون” بميزانية “كشك بقالة”.
القشة التي قصمت ظهر الاستشاري
وصلنا لمرحلة “اللايف”. المصنع جاهز، المحل ينتظر.. وفجأة، ظهر “الوحش”. أحضر العميل طابعة باركود يبدو أنها كانت تُستخدم في تسجيل مقتنيات مقبرة توت عنخ آمون! حاول الفريق بكل ما أوتي من علم وبرمجة أن يقنع هذا الكائن الحجري بالتحدث مع “السيستم” الحديث.. ولكن هيهات.
وهنا، وجد العميل ضالته! “بما أنكم فشلتم في تشغيل هذه الطابعة العظيمة، فأنتم غير كفء، والمشروع فاشل، وأريد استرداد أموالي!”. تحولت الرحلات المكوكية، والتحليلات العميقة، وإعادة هيكلة العمليات، إلى “تقصير” لأننا لم نستطع ترويض قطعة خردة رفض العميل تحديثها بـ 200 دولار!
رسالة إلي من يهمه الأمر
للمتخصص: العقد الذي لا يحتوي على “قائمة أجهزة مدعومة” و”توصيف وظيفي لفريق العميل” هو حبل مشنقة ينتظر طابعة قديمة لتنفيذ الحكم.
لصاحب العمل: التوفير في “الأدوات” و”البشر” أثناء بناء “السيستم” يشبه بناء ناطحة سحاب بأسمنت مغشوش.. ستنهار فوق رأسك في النهاية وتلوم المقاول.
للجميع: التحول الرقمي يبدأ من “العقلية” قبل “البرمجيات”. إذا كنت تخاف أن النظام “كبير عليك”، فأنت تحكم على شركتك أن تظل “صغيرة للأبد”.

